السياسة قواعد واستمرار وليست انتصارات دائمة
قراءة في طبيعة العمل السياسي كنشاط إنساني تحكمه المصالح المتغيرة، حيث البقاء في الساحة هو الهدف الأسمى والربح الحقيقي.
تُعد السياسة في جوهرها فعلاً بشرياً شبيهاً ببقية الأنشطة الإنسانية؛ فهي تخضع للظروف والمعطيات وتلتزم بالأنظمة والبروتوكولات والمحاذير، وتُبنى على شبكة من العلاقات المتبادلة التي تقوم غالباً على المصالح المشتركة أو العداوات المشتركة.
تتطلب إدارة العلاقات الدولية والدخلية فهماً دقيقاً لموازين القوى وتوازنات المصالح المتباينة بين مختلف الأطراف.
تتميز هذه الممارسة بأن نتائجها مؤقتة وموازينها متغيرة بلا ثبات، فلا وجود لمنتصر دائم أو خاسر أبدي، مما يستوجب الاعتماد على منظومة متكاملة من التكتيكات والإستراتيجيات.
اللاعب المحترف ليس مَن يحقِّق انتصارًا ساحقًا في جولة واحدة، بل مَن يملك القدرة على الاستمرار في اللعب رغم الخسائر الظاهريَّة فكثير من هذه الخسائر قد تكون جزءًا من مناورة محسوبة، أو ثمنًا لتكتيك إستراتيجيٍّ بعيد المدى.
هنا يصبح المكسب الحقيقي هو «الاستمرار في اللعب»، بينما الخسارة الحقيقيَّة هي التوقُّف عنه والانسحاب من السَّاحة.
في هذه اللعبة الجميع رابح، والجميع خاسر أيضًا. المسألة برمَّتها تدور حول تقديم بعض الأولويَّات وتأخير بعضها الآخر. وفي لحظات مفصليَّة قد يصل الأمر إلى إلغاء كامل لما كان يُعتبر من الثَّوابت، وإنشاء أولويَّات جديدة لم تكن يومًا على الطاولة.
تحكم السياسة قاعدة ذهبيَّة: لا صداقة دائمة، ولا عداوة دائمة. ما يحكم العلاقات هو المصالح المتبادلة، والحفاظ عليها يتطلَّب الاستمرار في اللَّعب.
ولأجل كسب أكبر قدر من هذه المصالح، فإنَّ قائمة الأدوات مفتوحة على مصراعيها. تبدأ بالإغراءات بعقد شراكات جديدة في مجالات مختلفة، أو فتح ملفَّات كانت مغلقة. وتمر بالتهديد بفسخ تحالفات قائمة أو إغلاق مجالات كانت متاحة. وقد تصل إلى الضغوط الاقتصاديَّة عبر التلويح بالعقوبات، وحتى التهديد بتحريك الجيوش لشنِّ ضربات خاطفة على أهداف محدَّدة. كل ذلك أدوات مشروعة في عرف اللعبة.
التحكم في ساحة اللعب وفرض الأولويات لا يتم إلَّا بثقل فعليٍّ. ثقل اقتصادي وعسكري يمنح صاحبه القدرة على رسم القواعد.
لذلك تقوم مجموعة العشرين G20 برسم الأطر العامَّة للتحرُّكات الدوليَّة، وتحديد الأولويَّات وتوقيتاتها. هي التي تقر الأوقات المناسبة لبناء تحالفات جديدة، أو لنقض تحالفات قديمة، وتضع شروط ما يجب، وما لا يجب ممارسته مناورات.
أمَّا بقيَّة دول العالم، الأقل تأثيرًا والأكثر تأثرًا، فتتحرَّك داخل تلك الأطر التي رسمتها الكبار.
تعتمد الساحة الدولية بشكل رئيسي على امتلاك أدوات الثقل الاقتصادي والعسكري لفرض قواعد اللعبة وتحديد الأولويات. وتظهر مجموعات مثل مجموعة العشرين G20 كجهات فاعلة ترسم الأطر العامة وتصيغ مسارات التحرك والتحالفات العالمية. في المقابل، تكتفي الدول الأقل تأثيراً بالتحرك داخل تلك الدوائر المرسومة من قبل القوى الكبرى. ويبقى الهدف الأسمى لكل الأطراف هو تأمين المصالح الذاتية عبر أدوات تراوح بين الشراكات والضغوط المختلفة.
المصدر الأصلي: المدينة
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.