حين تحاكمنا عاداتنا
ليست القيم من يشيخ، بل إدراكنا لها هو الذي يهرم، فنخلطها بعادات لا صلة لها بجوهرها، فنحجب نورها ونحن نعتقد أننا نحميه.
تتجلى هذه الإشكالية في شتى جوانب الحياة الاجتماعية والثقافية في مجتمعاتنا العربية.
ليست المشكلة دائمًا في غياب القيم، فالقيم العظيمة لا يطويها الزمن، وإنما في ما يتراكم حولها من عادات حتى تصبح الصورة أقوى من المعنى، والمظهر أسبق من الجوهر.
فالإنسان يبتكر عاداته لتساعده في العيش، ثم مع الوقت يضفي عليها من الهيبة ما يتجاوز وظيفتها، فتنقلب من وسيلة تخدمه إلى سلطة تحاسبه.
فالمشكلة لا تبدأ حين نصنع العادة، بل حين تصنعنا العادة. والعادات في أصلها ليست عيبًا؛ فهي ذاكرة المجتمعات وعنوان هويتها، لكنها تظل اجتهادًا بشريًا يقبل المراجعة. أما القيم، فهي أعمق من العادات، لأنها تقوم على المقاصد لا على الصور، وعلى المعاني لا على المظاهر.
فالقيمة لا تُوزن بشكلها الخارجي، بل بأثرها الفعلي. ويبدأ الاعوجاج عندما نضفي على العادة قداسة القيمة، فنعتقد أن نقدها خروج عن الموروث، مع أن الوفاء الحقيقي للتراث يكون بحفظ روحه، لا بتعظيم كل ما التصق به.
عندها لا يعود السؤال: ما الذي يحقق المعنى؟ بل يصبح السؤال: ماذا سيقول الناس؟ وحين تصمت الأسئلة، تتولى العادات مهمة الإجابة. ولعل الكرم أوضح مثال.
فالكرم عند العرب كان خلقًا قبل أن يكون مائدة. كان الضيف يطرق الباب بلا موعد، فيجد الترحيب قبل الطعام، والأنس قبل الضيافة. وكان المضيف يقدم ما لديه، لا ليُرى، بل ليُكرم. لم يكن الكرم بعدد الذبائح، ولا بحجم الولائم، وإنما بحسن اللقاء وطيب النفس وشعور الضيف بأنه بين أهله. فالكرم ليس ما تمتلئ به الموائد، بل ما تمتلئ به القلوب.
ثم تبدلت الصورة؛ فدخل التكلف من باب المروءة، والإسراف من باب السخاء، والهدر من باب السمعة، حتى أصبح بعض الناس لا يسألون: هل أكرمت ضيفي؟ بل: هل أعجبت الناس؟ولم يتغير الكرم… الذي تغير هو فهمنا له. فالقيم لا يرهقها خصومها بقدر ما يرهقها محبوها حين يحملونها ما ليس منها.وما الكرم إلا مثال على عطبٍ أوسع.
فالزواج الذي شُرع للسكن، أثقلناه حتى أصبح بعض الشباب ينظر إلى تكاليفه قبل معانيه. وصلة الرحم التي أرادها الإسلام مودة ورحمة، اختزلناها في المناسبات. والتعليم الذي جعل طريقًا للمعرفة، غلبت عليه أحيانًا قيمة الشهادة حتى كادت المعرفة تختبئ خلفها.
إنها المشكلة نفسها: حين تتحول الوسائل إلى غايات، تصبح الأشياء التي صُنعت لخدمتنا قادرةً على قيادتنا. إن أخطر ما يصيب المجتمعات ليس وجود العادات، بل غياب السؤال عنها؛ فالعادات لا تحكم بقوتها، وإنما بصمت الناس أمامها. ونحن لسنا خارج المجتمع حتى نحاكمه.
فنحن المجتمع.. نحن الذين نعطي بعض العادات قوتها حين نكافئ المبالغة بالإعجاب، ونربط المكانة بحجم الإنفاق، ونورث أبناءنا الخوف من مخالفة المألوف أكثر مما نورثهم شجاعة التفكير.
ولهذا فإن الإصلاح لا يعني هدم الموروث، بل إعادة التوازن: أن تبقى العادات في خدمة القيم، لا أن تصبح القيم في خدمة العادات. فالمجتمعات لا تفقد هويتها حين تراجع عاداتها، بل تفقدها حين تعجز عن التمييز بين جوهرها وقشورها.
إن أعظم ما نورثه أبناءنا ليس تفاصيل عاداتنا، بل قدرتهم على معرفة ما يستحق البقاء وما يستحق التغيير.فحين يعود لكل شيء مكانه الصحيح… يصبح الكرم رحمة، والزواج سكنًا، وصلة الرحم مودة، وتصبح الحياة أقرب إلى مقاصدها.
وعندها فقط… لن تحاكمنا عاداتنا ؛ لأن القيم ستكون قد استعادت حقها في أن تكون هي القاضي… وهي الميزان.
والأمثلة على ذلك كثيرة، من الكرم إلى الزواج والتعليم، حيث تحولت وسائل نبيلة إلى غايات في ذاتها. وما لم نعد نطرح الأسئلة حول وظيفة العادات، فستستمر المظاهر في حجب المعاني. إن إعادة النظر في علاقتنا بالعادات هو عين الوفاء لجوهر القيم.
المصدر الأصلي: سبق
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.