السعودية وعدالة الذكاء الاصطناعي
مَن يمتلك زمام وضع المعايير، ويمتلك البنية التحتية، ويتحكم في البيانات، سيكون الأقدر على توجيه مسارات الاقتصاد والمعرفة في العقود القادمة. وفي هذا السياق، تستطيع المملكة تقديم نموذج يزاوج بين الطموح التقني والمسؤولية التنموية، ويشكل جسرًا يصل بين القدرات المتقدمة واحتياجات الدول والمجتمعات الأقل تمكينًا.
يأتي هذا الطرح في وقت تتسارع فيه وتيرة الثورة الصناعية الرابعة، وتتصاعد الحاجة إلى حوكمة عالمية عادلة للذكاء الاصطناعي.
أضحى السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم في عصر مستقبل الذكاء الاصطناعي، بمن يملك القدرة على تطويرها والاستفادة منها، ومن سيجد نفسه خارج التحول الأكبر في الاقتصاد العالمي، فبعد عقود انشغل فيها العالم بمعالجة الفجوة الرقمية وتوسيع الوصول إلى الإنترنت، تتشكل اليوم فجوة أشد تعقيدًا؛ ترتبط بالقدرة على الوصول إلى الحوسبة المتقدمة، ومراكز البيانات، والنماذج الذكية، والبيانات عالية الجودة، والمهارات البشرية القادرة على توظيفها.
قد تؤدي هذه الفجوة المستجدة إلى إعادة تشكيل خريطة القوى الاقتصادية والتنموية عالميًا؛ إذ ستتمكن الدول القادرة على تطوير الذكاء الاصطناعي من تعزيز إنتاجيتها، وتحسين قطاعي الصحة والتعليم، وتسريع وتيرة البحث العلمي، وإنشاء صناعات مبتكرة. في المقابل، قد تتحول الدول التي تفتقر إلى المقومات الأساسية إلى مجرد أسواق مستهلكة لحلول صُممت خارج سياقاتها، وتعمل وفق أولويات لم تشارك في تحديدها.
من هنا، تكتسب الدعوة التي قدمتها المملكة خلال الحوار العالمي للأمم المتحدة حول حوكمة الذكاء الاصطناعي في جنيف أهميتها الاستراتيجية؛ فالحديث عن سد فجوات الذكاء الاصطناعي، وجعل الوصول إلى ممكناته متاحًا بصورة أكثر عدالة، ينقل النقاش من حدود المنافسة التقنية بين الشركات والدول الكبرى إلى مسؤولية المجتمع الدولي عن توزيع منافع هذه التقنية.
إن دعوة التعامل مع الوصول إلى الذكاء الاصطناعي بصفته حقًا من حقوق الإنسان لا تعني، في وضعها الراهن، وجود حق قانوني دولي ثابت بهذا التوصيف، بل تمثل طرحًا سياسيًا وأخلاقيًا يدعو للإقرار بأن القدرة على استخدام هذه التقنية ستصبح مرتبطة بشكل وثيق بحقوق قائمة؛ كالحق في التعليم والعمل والصحة والوصول إلى المعرفة. فكما أصبح الاتصال بالإنترنت شرطًا للمشاركة في الاقتصاد الحديث، قد يصبح الوصول إلى أدوات الذكاء الاصطناعي شرطًا للقدرة على التعلم والإنتاج والمنافسة والاستفادة من الخدمات العامة.
غير أن عدالة الذكاء الاصطناعي لا تتحقق بإتاحة التطبيقات أو تقديم اشتراكات منخفضة التكلفة، فالوصول الحقيقي يقوم على منظومة مترابطة تشمل البنية التحتية الرقمية، والطاقة الموثوقة، والقدرة الحاسوبية، والبيانات، وتنمية المهارات، والتمويل، والأطر التنظيمية، إلى جانب مشاركة الدول النامية في صياغة قواعد الحوكمة الدولية؛ ولذلك فإن منح المجتمعات أدوات جاهزة، من دون تمكينها من بناء قدراتها المحلية، قد ينقلها من فجوة رقمية سابقة إلى شكل جديد من التبعية التقنية.
وهنا تبرز المقومات التي تؤهل المملكة للقيام بدور يتجاوز حدود السوق المحلية، فموقعها بين الشرق والغرب، وقدراتها في مجال الطاقة، واستثماراتها المتنامية في البنية الرقمية ومراكز البيانات، وشراكاتها التقنية الدولية، تمنحها فرصة للمساهمة في بناء جسور بين الاقتصادات المتقدمة والدول التي ما تزال في المراحل الأولى من التحول، ولا تقتصر قيمة هذا الدور على استضافة البنية التحتية، بل تمتد إلى تطوير نماذج للشراكة تجمع بين الاستثمار ونقل المعرفة وبناء القدرات وتمكين المجتمعات من إنتاج حلولها الخاصة.
كما يمنح البعد العربي والإسلامي هذا الدور أهمية إضافية؛ لأن العدالة التقنية أكثر من مسألة اقتصادية، وإنما هي قضية لغوية وثقافية أيضًا، فالنموذج الذي لا يفهم لغة المجتمع وسياقه وقيمه لا يستطيع خدمته بكفاءة، مهما بلغت قدراته التقنية، وإذا ظلت اللغات والثقافات الأقل حضورًا في البيانات العالمية ممثلة بصورة محدودة، فقد تنتج أنظمة الذكاء الاصطناعي إجابات أقل دقة، أو تعيد إنتاج تحيزات معرفية وثقافية لا تعكس واقع مستخدميها، ومن ثم، فإن الاستثمار في النماذج العربية والبيانات المحلية مساهمة في حماية التنوع المعرفي وضمان حضور مئات الملايين في الاقتصاد الجديد.
لكن الانتقال من الخطاب إلى التأثير يتطلب تحويل مفهوم عدالة الذكاء الاصطناعي إلى مبادرات قابلة للقياس، ويمكن أن يشمل ذلك بناء منصات حوسبة مشتركة، ودعم مراكز بحثية إقليمية، وتطوير برامج لتأهيل الكفاءات، وتمويل تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الصحة والتعليم والمياه والزراعة، وإتاحة مجموعات بيانات منضبطة وآمنة، ووضع معايير تضمن سلامة النماذج واحترام الخصوصية، كما يتطلب أن تكون الشراكات الدولية قائمة على بناء القدرة المحلية.
أصبحت حوكمة الذكاء الاصطناعي جزءًا من إعادة تشكيل النظام الدولي؛ لأن من يضع المعايير ويمتلك البنية التحتية ويتحكم في البيانات سيكون أكثر قدرة على توجيه الاقتصاد والمعرفة في العقود المقبلة، ومن هذه الزاوية، تستطيع المملكة أن تقدم نموذجًا يجمع بين الطموح التقني والمسؤولية التنموية، وجسرًا يربط القدرات المتقدمة باحتياجات الدول والمجتمعات الأقل تمكينًا.
إن عدالة الذكاء الاصطناعي تعني أن تتاح لجميع الدول فرصة عادلة لبناء قدراتها، وتمثيل لغاتها وثقافاتها، والمشاركة في الحوكمة، والحصول على نصيب من القيمة التي تصنعها التقنية، وإذا نجح العالم في ذلك، فسيكون الذكاء الاصطناعي قوة لتوسيع الفرص، أما إذا بقيت قدراته متركزة في نطاق محدود، فقد نكتشف أننا تجاوزنا الفجوة الرقمية لنصنع فجوة أكثر اتساعًا وخطورة.. دمتم بخير.
وإذا ما نجحت المملكة في تحويل هذا الخطاب إلى مبادرات قابلة للقياس، فقد تسهم في إعادة تعريف مفهوم العدالة التقنية عالميًا. غير أن التحدي يبقى في ضمان أن لا تتحول هذه الجهود إلى أدوات للهيمنة الجديدة، بل إلى شراكات حقيقية تنقل التكنولوجيا والمعرفة. وتظل مسألة مشاركة الدول النامية في صياغة قواعد الحوكمة الدولية عاملاً حاسمًا في تحقيق هذا الهدف.
المصدر الأصلي: الرياض
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.