وادي الفرع.. واحة «النخل والعيون»

نشر هذا الموضوع يومي الجمعة والسبت الموافق 17 يوليو 2026

وتعد هذه المحافظة ذات طابع تاريخي وزراعي يثري المشهد الحضاري في المنطقة.

«الجزيرة» - عبدالمطلوب مبارك البدراني:

تقع محافظة وادي الفرع على بعد 140 كيلومتراً جنوب المدينة المنورة، بين الحرمين الشريفين، وهي من أعرق المناطق التاريخية والزراعية في الجزيرة العربية. يمتد تاريخها لآلاف السنين، وتجمع بين الإرث الحضاري والحداثة.

اشتراكرقمي مميز

تؤكد الروايات التاريخية مكانة الوادي القديمة؛ فهو القرية التي «مارت» ونقلت التمر إلى نبي الله إسماعيل بن إبراهيم وأمه هاجر -عليهما السلام- وهما في مكة المكرمة، مما يثبت دور هذا الوادي كمصدر للأمن الغذائي منذ الأزل.

وقد حظي الوادي باهتمام كبار مؤرخي المملكة وأعلامها الذين اجتهدوا في إبراز تاريخه، ومنهم:

- المؤرخ الدكتور فايز البدراني.

- الأستاذ الأديب المؤرخ محمد صالح البليهشي.

- المؤرخ عاتق بن غيث البلادي.

عُرف وادي الفرع قديماً بـ«وادي النخل» لكثافة نخيله، وكان يضم أكثر من 45 عيناً جارية. ورغم جفاف بعضها، تعيد الأمطار والسيول إحياءها، وتبرز عين «قرية المضيق» الشهيرة كواحدة من العيون المستمرة.

عين المضيق: عين ثجّاجة يقصدها السياح والزوار من كل فج وصوب، للاستمتاع بجريان مياهها عبر المضيق، ومزارعها الخضراء النضرة، وجبالها الشاهقة المحيطة.

عُرِفت قرية المضيق بوفرة زوارها صيفاً منذ القدم لشراء التمور، ولا سيما تمر «المشوك» الشهير. ويتميز أهالي الوادي بطريقتهم الخاصة والتقليدية في قطف التمور وتعبئتها فيما يُعرف بـ «المجاليد»، والتي تُصدّر إلى كافة مناطق المملكة كعلامة جودة مسجلة باسم الوادي.

وتزخر المنطقة بمعالم أثرية وتاريخية تقف شاهداً على العصور الإسلامية الأولى، ومن أبرزها:

- مسجد البرود: المسجد الأثري الذي صلى به الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا زالت آثاره باقية وشامخة في أسفل الجبل وأعلاه.

- المنازل الطينية القديمة: حارات ومبانٍ أثرية في قرى الوادي (مثل حواري أبو ضباع)، كانت ملاذاً للآباء والأجداد، تقيهم حر الصيف وبرد الشتاء القارس، وتحتاج اليوم إلى عين الرعاية والترميم.

وتتوزع في وادي الفرع قرى عريقة ووجوه طبيعية ساحرة زارها المؤرخون ورصدوا قيمتها، ومنها:

- القرى الأثرية: قرية السدر، قرية الفقير، قرية اليسيرة، وقرية «أم العيال» (والتي يُقال إنها سبيل سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء رضي الله عنها).

- المعالم والمنتزهات الطبيعية:

- جبل قُدس (ادقس): الجبل المهيب الذي يعشقه الزوار.

- منتزه السدة: الواقع جنوب شرق جبل «إره».

- منتزه خضرة القديم: ذو الشهرة الواسعة.

- مناطق الجذب الأخرى: حنذ، الأكحل، وادي الحفن، الفقيّر، المقيطع، ومنتزه الفيفا المحاذي لطريق الهجرة.

وفي هذا العهد الزاهر للمملكة العربية السعودية، حظيت محافظة وادي الفرع بوجود معظم الدوائر الحكومية والخدمات الأساسية ذات العلاقة المباشرة بالمواطن. إلا أن الطبيعة الزراعية الفريدة للمنطقة، ووفرة محاصيلها، بجانب قيمتها السياحية والأثرية المهملة، تجعلها في حاجة ماسة إلى:

1 - التفاتة سياحية واستثمارية: تحويل القرى الأثرية (كالمضيق وأبو ضباع) إلى وجهات سياحية وتراثية منظمة ضمن رؤية السعودية 2030.

2 - تطوير الخدمات والمرافق: دعم المنتزهات الطبيعية بالجلسات والخدمات التي تخدم الزوار.

3 - الاهتمام بالمزارعين: تقديم تسهيلات أوسع لدعم الإنتاج الزراعي الفريد للوادي وتطوير قنوات تسويقه.

إنها دعوة يرفعها أهالي ومحبو وادي الفرع إلى إمارة منطقة المدينة المنورة والمسؤولين في المحافظة لفض الغبار عن هذا الكنز السياحي والتاريخي الثمين، ليأخذ مكانته المستحقة على خارطة السياحة السعودية.

ويظل وادي الفرع شاهداً على تاريخ طويل من العطاء الزراعي، ويأمل أهله في استمرار تدفق عيونه المائية التي تشكل مصدر جذب سياحي. ويؤكد المؤرخون على أهمية الحفاظ على هذا الإرث الطبيعي والثقافي، لما له من دور في دعم السياحة والتنمية المحلية.