الوزير خوجة.. وقراءة واعية لمستقبل الإعلام السعودي؟
ليست كلُّ العبارات العابرة تُقَال ثمَّ تُنسَى، فبعضها يختزل تحوُّلات كُبرى، ويختصر مسارات مستقبليَّة كاملة. ومن هذا النَّوع ما قاله معالي وزير الثَّقافة والإعلام الأسبق الدكتور عبد...

الوزير خوجة.. وقراءة واعية لمستقبل الإعلام السعودي؟
نُشر هذا المقال بتاريخ 19 يوليو 2026، الساعة 00:25 بتوقيت السعودية.
يأتي هذا التحليل في وقت يشهد فيه الإعلام العالمي تحولًا جذريًا بفعل التقنيات الرقمية وتزايد تأثير الأفراد.
AA
بعض العبارات العابرة لا تُقال ثم تُنسى، بل تختزل تحولات كبرى ومسارات مستقبلية. من هذا القبيل ما قاله معالي وزير الثقافة والإعلام الأسبق الدكتور عبدالعزيز محيي الدين خوجة، خلال زيارة وفد جمعية 'إعلاميون' له في منزله بجدة وتكريمه، وإجراء حوار صحافي عميق حول مسيرته الإعلامية. وخلال هذا الحديث، قال معاليه: 'الإعلام يتغيَّر بوتيرة متسارعة، وأنَّ الفرد أصبح اليوم قادرًا على إنشاء «وزارة إعلام» خاصَّة به، مستفيدًا من منصَّات التواصل الاجتماعيِّ وتقنيات الذكاء الاصطناعيِّ.'
لم تكن تلك العبارة توصيفًا لواقع تقنيٍّ فحسب، بل قراءة استشرافيَّة؛ لتحوُّل عميق في مفهوم الإعلام ذاته. فالمعادلة التي استقرَّت لعقود، والقائمة على احتكار المؤسَّسات لوسائل النَّشر والتأثير، لم تعد قائمةً بالصورة ذاتها. لقد انتقلت القوَّة من امتلاك المنصَّة إلى امتلاك المحتوى، ومن سيطرة المؤسَّسة إلى قدرة الفرد على صناعة التَّأثير، والوصول إلى ملايين المتابعين في لحظاتٍ معدودةٍ. هذه التحوُّلات تضعُ الإعلام السعوديَّ أمام مسؤوليَّة تاريخيَّة لإعادة صياغة أدواته، لا للدفاع عن نماذج تجاوزها الزَّمنُ، وإنَّما لقيادة مرحلة جديدة تتَّسق مع مستهدَفات رُؤية المملكة 2030، التي جعلت من التحوُّل الرقميِّ، والاقتصاد المعرفيِّ، والابتكار ركائزَ أساسيَّة للتَّنمية.
ولعلَّ أكثر القطاعات تأثرًا بهذه المتغيِّرات هو قطاع الصحافة. فالصحافة الورقيَّة ليست في مواجهةٍ مع التَّقنية، بل في مواجهة مع الزَّمن، إذا بقيت أسيرةً أدواتها التقليديَّة. أمَّا إذا أعادت تعريف رسالتها، وانتقلت من نقل الخبر إلى تفسيرِهِ، ومن متابعة الحدث إلى استشرافِ نتائجه، فإنَّها ستظلُّ محافظةً على مكانتها؛ بوصفها المرجع الأكثر عمقًا وموثوقيَّة. فالأخبار أصبحت متاحةً للجميع، أمَّا التحليلُ الرَّصين، والتَّحقيق الاستقصائيُّ، والقراءة النقديَّة، فهي القيمة الحقيقيَّة التي لا تستطيعُ المنصَّاتُ السريعة تعويضها. وفي المقابل، لم يعد من الإنصاف النَّظر إلى صنَّاع المحتوى باعتبارهم منافسِين للمؤسَّسات الإعلاميَّة. فقد فرضُوا حضورَهم، وأثبت كثيرٌ منهم قدرةً لافتةً على الوصول والتأثير وصناعة النقاش العام. والتحدِّي اليوم لا يكمنُ في مقاومتهم، بل في بناء علاقة تكامليَّة معهم، تقوم على التَّدريب، وترسيخ أخلاقيَّات المهنة، وتعزيز المسؤوليَّة المهنيَّة، حتى تتحوَّل الشعبيَّة الرقميَّة إلى قوَّة معرفيَّة تخدم المجتمع. أمَّا المنافسة بين المؤسَّسات الإعلاميَّة والمنصَّات الرقميَّة، فهي في حقيقتها ليست منافسةً على سرعة النشر؛ لأنَّ التقنية حسمت هذه المعركة منذ سنوات، وإنَّما هي منافسة على الثقة. والثقة لا تُشترَى بالخوارزميَّات، ولا تُقَاس بعدد المشاهدات، بل تُبنَى بالمصداقيَّة، والدقَّة، والاستقلاليَّة، والقدرة على تقديم محتوى يضيف فهمًا لا مجرَّد معلومة. ومن هنا تبدُو الحاجة ملحَّةً إلى مشروعٍ إعلاميٍّ متجدِّد، يقوم على الاستثمار في الكفاءات الوطنيَّة، وتطوير غرف الأخبار الرقميَّة، وتوظيف الذكاء الاصطناعيِّ، بوصفه أداةً داعمةً لا بديلًا عن العقل الصحفيِّ، إلى جانب تحديث التشريعات الإعلاميَّة، وتعزيز برامج إعداد الصحفيِّين والإعلاميِّين بما يتناسب مع طبيعة البيئة الرقميَّة الجديدة. لقد اختصر معالي الدكتور عبدالعزيز خوجة مستقبل الإعلام في جملةٍ واحدةٍ، لكنذَها تحمل من العمق ما يستحقُّ التوقُّف عنده. فحين يمتلك كلُّ فرد وسيلته الإعلاميَّة، لن يكون السؤال: مَن يملك المنصَّة؟ بل مَن يملك المهنيَّة، والوعي، والمصداقيَّة، والقدرة على صناعة أثرٍ إيجابيٍّ ومستدامٍ؟ تلك هي المنافسة الحقيقيَّة، وذلك هو التحدِّي الأكبر، الذي ينتظر الإعلام السعودي في السنوات المقبلة.
مع تزايد دور الذكاء الاصطناعي، تتجه السعودية نحو تحديث قطاعها الإعلامي تماشيًا مع رؤية 2030. ويشكل تحذير خوجة إشارة إلى ضرورة إعادة تعريف مهنة الصحافة في عصر الفرد الرقمي، حيث تصبح المصداقية والمهنية هما معيار النجاح بدلاً من سرعة النشر.
المصدر الأصلي: المدينة
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.