التوطين المتوازن.. نحو عدالة جغرافية في الفرص الوظيفية - ناصر بن فريوان الشراري
مع بزوغ أولى خيوط الفجر في مدينة القريات، يتكرر يومياً مشهد يعكس انتظاماً لافتاً: شاحنات شركات الألبان الكبرى ترسو أمام السوبرماركت محملة بمنتجات الألبان والأجبان والعصائر، في صورة تطمئن على متانة الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد. غير أن هذا الحراك الاقتصادي الضخم يثير تساؤلاً حول مدى إشراك الكوادر الوطنية الشابة في إدارة هذه العمليات في المناطق الطرفية.
وتأتي هذه الدعوة في إطار استراتيجية التوطين الوطنية التي أولتها المملكة أولوية قصوى ضمن رؤية 2030، سعياً لتمكين الشباب السعودي في مختلف القطاعات.
فالسؤال المنطقي الذي تطرحه التنمية المستدامة: أين الخريجون السعوديون من هذا المشهد؟ أين الطامحون في وظائف محترمة بمدنهم، خاصة في قطاع التجزئة والتوزيع الذي يشكل العمود الفقري للاقتصاد المحلي؟
حين نتأمل استراتيجيات التوطين لدى بعض شركات الأغذية والألبان الكبرى في المملكة، نجد أنها حققت نسباً ممتازة ومثيرة للإعجاب من «السعودة» في المقار الرئيسية والإقليمية بالمدن الكبرى كالرياض، وجدة، والدمام، والقصيم، حيث المؤشرات تُقاس بدقة في المكاتب التنفيذية، ولكن التحدي الحقيقي يكمن في فروع هذه الشركات بالمحافظات والمدن الطرفية والحدودية، كالقريات وغيرها، إذ يبدو أن هذه الفروع بحاجة إلى التفاتة أعمق لخطط التوطين الفعلي، لتواكب وتيرة التمكين المستهدفة، وحتى لا تظل بعض المهن الحيوية والقيادية ميدانياً بعيدة عن متناول الكفاءات المحلية.
إن وظيفة «مشرف المبيعات» أو «مراقب الخطوط اللوجستية» ليست مجرد مهام روتينية، بل هي عصب قطاع التجزئة، وتوفر دخلاً مجزياً ومميزات وبيئة عمل مستقرة، والشاب السعودي اليوم، بمؤهله الجامعي وطموحه المتوقد، قادر على إدارة هذه المنظومة بكفاءة وأمانة عالية، متى ما أتيحت له الفرصة وتمت تهيئة البيئة الجاذبة له، وتجاوزت الشركات النظرة التقليدية القائمة على تفضيل الكوادر الوافدة لتقليل التكلفة التشغيلية، مستغلةً بُعد المسافة الجغرافية عن مراكز القرار.
وتعزيز التوطين في فروع المحافظات يتسق تماماً مع أهداف رؤية 2030 في تنمية جميع المناطق وتحقيق التوازن التنموي. نحن نتطلع إلى توطين شامل يشمل كل فروع الشركات، لا أن يقتصر على الأرقام المجمعة في المدن الكبرى لأغراض مؤشر نطاقات.
من هنا، نتطلع بثقة الكاتب والمواطن إلى الدور الرقابي المستمر لوزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، عبر تكثيف الجولات التفتيشية الدورية والمفاجئة من فروع الوزارة بالمناطق على مستودعات وفروع شركات الأغذية والألبان في المحافظات، للتأكد من مطابقة واقع المهن على الأرض مع المسميات النظامية، وضمان عدالة الفرص الوظيفية.
أبناؤنا يحملون المؤهلات، ولديهم الاستعداد الكامل للكفاح والسعي وراء الرزق الحلال في مدنهم التي نشأوا فيها، والشركات الوطنية الكبرى مدعوة لإبداء مسؤولية اجتماعية ومواطنة اقتصادية تترجم واقعاً يراه المواطن في أسواقه المحلية، لقد حان الوقت لتمكين «ابن الوطن» من استلام دفة هذه الخلايا اللوجستية، فأبناء المحافظات هم ركيزة البناء، وهم الأولى والأحق بالمساهمة في نهضة واقتصاد مدنهم الغالية.
تحفيزذاتي واعتماد على النفس
مقالات أخرى للكاتب
- شرايين الأرض القديمة: عندما يستيقظ «القطار» ليكون شريان الطاقة البديل
- بين الانكفاء الإيراني وطموح الخليج: هل وضعت الحرب أوزارها أم أنها «هدنة المونديال»؟
- مخالب التفاوض وهندسة الردع الجديدة في الشرق الأوسط
- قراءة في الموقف السعودي تجاه التصعيد الإقليمي
- ريادة رقمية وحماية مستدامة: كيف صاغت «الغذاء والدواء» معادلة الذكاء الرقابي؟
ومع ذلك، تظل الفجوة بين نسب التوطين في المدن الكبرى والمحافظات الطرفية قائمة، مما يستدعي تضافر جهود الشركات والجهات الرقابية لتحقيق العدالة الجغرافية. ولعل تفعيل زيارات التفتيش الميدانية من قبل وزارة الموارد البشرية وتعزيز المسؤولية الاجتماعية للشركات الكبرى هما مفتاح إنجاح هذا التوجه، خاصة مع استعداد الكوادر الشابة لشغل هذه الوظائف في مدنهم.
المصدر الأصلي: صحيفة الجزيرة
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.