أ. د. عبدالله الطيار

أ. د. عبدالله الطيار

نشر في عدد الجمعة والسبت الموافق 17 يوليو 2026

يبرز هذا التقرير الدور المحوري للقطاع غير الربحي في تحقيق أهداف رؤية المملكة 2030، التي جعلت التكافل الاجتماعي ركيزة أساسية للتنمية.

الزلفي - خاص بـ«الجزيرة»:

أكد الشيخ الدكتور عبدالله الطيار أن من أولويات الشريعة تحقيق النفع العام وبناء مجتمع متماسك برباط التكافل والتعاون، مستشهداً بقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (2) سورة المائدة، وبحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (أحبُّ الناسِ إلى اللهِ أنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وأحبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ سُرُورٌ يدْخِلُهُ على مسلمٍ، أوْ يكْشِفُ عنهُ كُرْبَةً، أوْ يقْضِي عنهُ دَيْنًا، أوْ يَطْرُدُ عنهُ جُوعًا..) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (6026) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: (906)، لافتاً إلى أن الإسلام رفع من شأن العمل التطوعي وجعله قيمة إيمانية كبرى تعكس حيوية المجتمع وإيجابية أفراده. ومن هذا المنطلق، قام خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين -حفظهما الله- بدعم هذا القطاع ووضعه ضمن الخطة الإستراتيجية ورؤية المملكة 2030، إيماناً بأهميته ودوره الفاعل في خدمة المجتمع. ومن أقوال سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- التي تدل على الوعي بمكانة العمل الاجتماعي والتطوعي: (نحن ننظر إلى القطاع غير الربحي بأنه قطاع مهم في دعم مسيرة التعليم ومسيرة الثقافة وفي قطاع الصحة وفي القطاع البحثي، وسنعتمد على القطاع غير الربحي بشكـل رئيس جدًا).

وأكد الدكتور عبدالله الطيار في حديثه لـ»الجزيرة» أن دعم القيادة الرشيدة تجاوز مجرد تقديم المعونات المادية، إلى صياغة منظومة تشريعية وتطويرية متكاملة، تهدف إلى تمكين الجمعيات الخيرية وإفساح المجال لها لتكون شريكاً فاعلاً في التنمية المستدامة، ولقد أثمر هذا الدعم السخي، تحولًا جذريًا في أداء الجمعيات الخيرية؛ لتنتقل من طور الرعاية والاعتماد الكامل، إلى منظومة التنمية والتمكين، وإن هذا الجهد المبارك يستمد مشروعيته من الكتاب والسنة، قال تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} (8-9) سورة الإنسان.

واسترسل في حديثه قائلاً: لقد ربط ربنا سبحانه بين حقيقة الإيمان وكمال البر، وبين المسارعة إلى الإنفاق، قال تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} (92) سورة آل عمران.

وقد صاغ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم دستور التكافل بأبلغ العبارات وأعمق المعاني، مبيناً أن المجتمع الايماني يتماسك بتراحم أفراده، حيث قال صلى الله عليه وسلم: (تَرى المُؤمِنينَ في تَراحُمِهم وتَوادِّهم وتَعاطُفِهم كمَثَلِ الجَسَدِ، إذا اشتَكى عُضوًا تَداعى له سائِرُ جَسَدِه بالسَّهَرِ والحُمَّى) أخرجه البخاري (6011).

ولأن صنائع المعروف تقي مصارع السوء، فقد رغّب النبي صلى الله عليه وسلم في تفريج كربات المعسرين وجعل الجزاء من جنس العمل في الدنيا والآخرة، فقال صلى الله عليه وسلم: (من نفَّس عن مؤمنٍ كربةً من كُرَبِ الدنيا نفَّس اللهُ عنه كُربةً من كُرَبِ يومِ القيامةِ، ومن يسَّر على مُعسِرٍ، يسَّر اللهُ عليه في الدنيا والآخرةِ، ومن ستر مسلمًا، ستره اللهُ في الدنيا والآخرةِ، واللهُ في عَونِ العبدِ، ما كان العبدُ في عَوْنِ أخيه) أخرجه مسلم (2699).

كان سلف هذه الأمة يرون في قضاء حوائج الناس غنيمة ساقها الله إليهم؛ يقول أحد السلف: (واعلموا أن حوائج الناس إليكم من نعم الله عليكم، فلا تملوا النعم) فلم تعد الجمعيات الخيرية غير الربحية مجرد جهات تسد عوزًا عارضًا، بل أصحبت صروحًا تنموية مستدامة، وشرايين تدفق بالخير؛ لتستوعب في ظلالها الوارفة جميع فئات المجتمع، وتخدم أطيافه كافة بلا استثناء.

وبيّن الدكتور عبدالله الطيار أن الجمعيات الخيرية تنوعت لتشمل فئات عديدة من المجتمع، مثل: جمعيات تكفل الأيتام والأرامل وتضمن لهم العيش الكريم وتحفظ كرامتهم، وجمعيات تعنى بكتاب الله حفظاً ودراسة وتربية الناشئة عليه وحماية عقولهم من الأفكار المتطرفة، وجمعيات تعنى بالرعاية الصحية وتقديم الدواء والمستلزمات الطبية والزيارات التشخيصية المجانية والمبادرات العلاجية والوقائية والتوعوية، وجمعيات تعنى بتأهيل الشباب في مجالات تربوية وإدارية وتكنولوجية وتأهيل حديثي التخرج والمقبلين على الزواج، وجمعيات تعنى بتجهيز الموتى وتكفينهم وخدمة ذويهم وتجهيز الجنائز وإعداد المقابر والعناية بها، وجمعيات تعنى بحفظ النعمة وإعادة توزيعها، وجمعيات تعنى بسقيا الماء وتوزيعه في المساجد وغيرها، وجمعيات نسائية لتأهيل الأمهات وتدريب البنات، وجمعيات أسرية لإصلاح ذات البين ونشر التوعية بين الأزواج، وجمعيات لتوفير السكن عبر الترميم أو التمليك، وجمعيات علمية بحثية لدعم المحتويات العلمية ونشر الأبحاث، وجمعيات لإطعام المساكين، وجمعيات لخدمة الحجاج والمعتمرين، وجهات خيرية أهلية يقودها أرباب المال وكبار التجار الذين عرفوا فضل الصدقة، إلى غير ذلك من الأنشطة الخيرية غير الربحية التي تقوم بها هذه الجمعيات.

وشدد الدكتور عبدالله الطيار على أن هذا الشمول للجمعيات الخيرية يعكس وعيًا شرعيًا وعصريًا عميقًا، يدرك أن المجتمع بناءٌ متكامل، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، كما أن الجمعيات الخيرية في المملكة العربية السعودية، في ظل رؤية طموحة سددت خطى القطاع الثالث، وهو القطاع غير الربحي، وجعلته شريكًا أساسيًا في البناء؛ ليبقى وطن التوحيد واحة أمنٍ، ونبع عطاء، ومنارة تكافل يقتدي بها الآخرون، والجمعيات الخيرية غير الربحية بشكل خاص، والعمل التطوعي بشكل عام، هما المترجم العملي لهذه النصوص الشرعية، على أرض الواقع، وهما الحصن الحصين الذي يذود عن حياض المجتمع من فتن العوز والجهل.

فحقٌّ على كل ذي سعة، بل على المجتمع قاطبة، أن يشد أزر هذه الجمعيات المباركة، ويدعم مسيرتها بالمال والفكرة والجهد، ليبقى بنياننا مرصوصاً، تظلله المودة، ويحرسه الإيمان.

وأكد الدكتور عبدالله الطيار على الدور المجتمعي في دعم هذه الجمعيات المباركة، ومساندتها، والتعريف بها، وهذا الدور يمثل الجسر الذي يربط بين الجهود الميدانية الخيرة، وبين المجتمع والداعمين، خاصاً بهذا الدور الفاعل للإعلاميين، والمؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي، وصُنّاع المحتوى والمشاهير؛ لما لهم من: فاعلية التأثير، وقوة الوصول للمجتمع، ومصداقية لدى المتابعين، وهذا من قبيل التعاون على البر والتقوى، ونشر الخير، وبذل المعروف قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (2) سورة المائدة، وقال صلى الله عليه وسلم: (مَن دَلَّ على خَيرٍ فله مِثلُ أجرِ فاعِلِه) أخرجه مسلم (1893)، وقال صلى الله عليه وسلم: (مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حَسَنةً، فله أجرُها وأجرُ مَن عَمِلَ بها بَعدَه، مِن غيرِ أن يَنقُصَ مِن أُجورِهم شَيءٌ) أخرجه مسلم: (1017).

وأبان د. الطيار أن صناعة المحتوى الداعم للعمل التطوعي هي سُنّة حسنة يقتدي بها المتابعون، كما أن الإعلام الواعي هو من أسمى صور التعاون على البر والتقوى، مشيراً إلى أن الأداة الإعلامية تحولت من مجرد أداة للتوثيق، إلى محرك أساسي لاستدامة العمل التطوعي من خلال التغطيات المباشرة والحية، ونقل الجهود، والتعريف بالبرامج والمبادرات، حيث إن لهذه التغطيات دورها في نشر الوعي، وإيصال رسالة الجمعيات وأنشطتها المختلفة والمجانية إلى الفئات المستهدفة، ليتقدموا لطلبها، والحصول عليها، وأيضًا دورها في جذب الدعم والتمويل: عندما يرى رجال الأعمال والجهات الداعمة أثر مشاريع هذه الجمعيات موثقاً بالصورة والكلمة، تزداد ثقتهم للمساهمة في تمويل هذه البرامج، كما أن هذه التغطيات الإعلامية تساعد في استقطاب المتطوعين، من خلال إبراز قصص النجاح، مما يدفع الكفاءات العلمية والإدارية من أبناء وبنات الوطن للانضمام لتلك الجمعيات.

واختتم الدكتور عبدالله الطيار حديثه على أن العمل الإعلامي المؤثر لدعم مثل هذه الجمعيات ليس ترفاً، بل هو نشاط مجتمعي وأمانة، فزكاة الشهرة والتأثير هي: تسخيرها لنفع الناس، وتفريج كرباتهم.

سائلاً الله عز وجل أن يبارك في القائمين على هذه الجمعيات المباركة، بدءً من مجالس إدارتها، وجمعياتها العمومية، وكادرها الإداري، والموظفين والمتطوعين، والداعمين لهذه الجهود بالمال، والوقت، والخبر، والصورة، والتغطية.

وسأل الله سبحانه أن يجزي ولاة الأمر خير الجزاء على دعم هذا المجال الخيري التطوعي، وتوفير بيئة مجتمعية خدمية تكافلية.

وتؤكد تصريحات الدكتور الطيار أن التحول في أداء الجمعيات الخيرية من الرعوية إلى التنموية يعكس نجاح السياسات الداعمة. ومع استمرار الدعم التشريعي، يُتوقع أن يتوسع دورها ليشمل مجالات جديدة كالبحث العلمي والابتكار الاجتماعي. ويبقى التحدي الأكبر في تحقيق الاستدامة المالية وتعزيز ثقافة التطوع.