كتاب

د. عائشة عباس نتو

فرسان... صوت والدي

د. عائشة عباس نتو

نُشر هذا المقال في 21 يوليو 2026 الساعة 10:54 بتوقيت السعودية.

تسلط هذه المقالة الضوء على رحلة شخصية تعيد اكتشاف جزر فرسان بوصفها وجهة سياحية وتراثية غنية.

AA

في طفولتنا، كان والدي -رحمه الله- يروي لنا قصة قريب لنا يعيش في فرسان. كنا نستمع إليه بشغف، لكننا لم نكن نعرف أين تقع فرسان ولا كيف نصل إليها. فبدت لنا كاسم يطفو على الماء أكثر من كونه مكانًا على الخريطة. رحل والدي وبقيت كلماته محفورة في ذاكرتي، تنتظر يومًا تتحقق فيه.

ومرت السنوات حتى جاء يوم اللقاء الذي قدره الله. حين وصلت إلى جزر فرسان، تشرفت بزيارة منزل الأديب إبراهيم مفتاح، ذلك البيت الذي يعكس أصالة جازان وكرم ساكنيه، حيث يمتزج دفء الناس بعبق المكان. وهناك كانت المفاجأة: فرسان ليست جزيرة واحدة كما تخيلتها في الصغر، بل أرخبيل يضم بين 200 و264 جزيرة بأحجام مختلفة، أكبرها فرسان الكبرى. بحر صاف بلونه الأزرق، وغابات القندل تعانق الماء، وشواطئ تشكل لوحة من الرمل والضوء لا يفنى جمالها.

وقفت أمام هذا المشهد البديع، فعادت إلى ذهني صورة والدي بكل تفاصيلها. أدركت حينها أن حديثه لم يكن مجرد رواية عابرة، بل نافذة أتاحها لي لأتعرف على هذا الجزء الثمين من وطننا. وتيقنت أن بعض الكلمات تحتاج إلى سنوات طويلة لتتكشف معانيها، وأن بعض الأماكن لا نزورها للمرة الأولى، بل نعود إليها عبر ذكريات من نحب. غادرت فرسان وأنا أكثر يقينًا بأن المملكة ليست مجرد وطن تتسع حدوده، بل حكاية متجددة مع كل مدينة، وقصة تُروى مع كل جزيرة. وستظل فرسان بالنسبة إلي المكان الذي أعاد إلي صوت والدي، وربط طفولتي بحاضري، وأثبت أن أجمل الرحلات هي تلك التي تبدأ بكلمة من أب، وتنتهي بدهشة لا تغادر القلب.

تعد جزر فرسان محمية طبيعية غنية بالتنوع البيولوجي، وتشكل وجهة سياحية متزايدة الاهتمام. كما أن الحكايات العائلية مثل التي يرويها الكاتب تعزز الارتباط العاطفي بهذه الأماكن، وتذكرنا بأهمية نقل التراث بين الأجيال.