الزواج السري
يقوم التصور الإسلامي للزواج على مبدأ الإفصاح، إذ إن الوضوح هو ضمان الكرامة والحقوق وبناء المجتمعات. أما السرية فتُقبل في حالات استثنائية بتقدير الفقيه المأمون، لكنها لا تصلح قاعدة للحياة؛ فالأصل هو الإعلان، لأن النور يستر، والكتمان المطرد يثير الشك.
وتأتي هذه المقاربة الفلسفية في سياق تصاعد ظاهرة الزواج السري في العالم العربي، وما يثيره من إشكالات اجتماعية ونفسية.
لقد كثر الزواج السري في مجتمعاتنا العربية، مما يهدد البنية الاجتماعية والصحة النفسية، فيجعله من أخطر الظواهر في هذا العصر.
وسنتناوله من زاوية فلسفية، مستعرضين دوافعه ونتائجه، لعله يسعفنا في تسليط الضوء على هذه الآفة. فالزواج السري في لبّه ميثاق وجودي قبل أن يكون عقدًا قانونيًا؛ إنه التقاء إرادتين لتكوين كيان ثالث يجمع الفردين، كيان له حضور في الذات لا في المجتمع والتاريخ. ومن هنا تبرز إشكاليته، إذ يطرح سؤالاً محوريًا: هل يمكن للميثاق أن يكتمل بانتزاع بعده العلني؟ وهل يظل للحب شرعيته إذا فضّل الظل على النور؟
فإذا ما نظرنا لماهية الإعلان كضرورة أنطولوجية، فإن الحقيقة الكامنة تظل مبهمة مستترة. فكما يرى الفيلسوف الألماني جورج فيلهلم هيغل (1770- 1831) بأن الحقيقة لا تكتمل إلا عندما تخرج من دائرة الذات إلى دائرة الموضوع -أي المجتمع والتاريخ-، وعندما يعترف بها الآخر. فالزواج ليس شعورًا داخليًا فحسب، بل هو واقعة اجتماعية وتاريخية، تتطلب الاعتراف.
فديننا الإسلامي قد قرن صحة العقد بالإشهار، فجعله مع الولي والشهود ركنًا لا يقوم البناء بدونه، والحكمة في ذلك ليست شكلية، بل وجودية وأخلاقية، فالإعلان يحمي الضعيف ويحفظ الأنساب ويمنع الالتباس، ويربط الفرد بمسؤولية أمام الجماعة.
ولذلك فإن الزواج السري يختزل العلاقة إلى بعدها الثنائي المحض، فيجردها من بُعدها الثالث وهو المجتمع، فينقلب الميثاق من عهد يُبنى عليه بيت وأسرة ومستقبل، إلى اتفاق مؤقت معلق على شرط الكتمان، وهنا يتحول الإنسان من كائن اجتماعي بطبعه إلى كائن معزول يخشى نور الشمس!
وهذا يقودنا إلى جدلية الحرية والخوف، فقد يقال: إن السر حرية! لأنه يحرر العاشقين من سلطة العادات والتقاليد الجائرة، إذا كانت العادات تمنع حقاً أقره الشرع، فالإسلام لم يجعل رضا الناس شرطاً للزواج، بل جعل رضا الطرفين والولي والإشهار قاعدته.
ولكن الحرية المشتراة بالخوف حرية ناقصة، ولهذا يكتنف هذا الزواج الخوف والقلق. وكما وصف الفيلسوف كيركغارد القلق بأنه 'دوار الحرية' - لثقل الاختيار حتى أطلق عليه (حمى الاختيار) - حيث يجتاح الإنسان عند الاختيار هذه الحمى نتيجة ثقل القرار، خاصة في الزواج السري، فيصبح القلق رفيقًا دائمًا. وهنا يتحول كل لقاء إلى حذر، وكل كلمة قد تكون دليلاً، وكل لحظة سعادة يشوبها هاجس الانكشاف، وهكذا تنقلب الحرية المزعومة إلى سجن نفسي، ويصبح الإنسان عبدًا للسر الذي صنعه بيديه.
أما الأمر الأهم، فهو نية الكتمان وأخلاقيات المقصد، إذ إن المعيار في الفلسفة الأخلاقية هو النية والمال، فالسؤال الجوهري ليس في السر ذاته، بل في الباعث عليه، فإذا ما كان الكتمان لدفع ضرر محقق، أو لاتقاء ظلم جائر فهذا له حكم آخر يفتي فيه أهل العلم، أما إذا كان الكتمان للتلاعب أو لهضم الحقوق، أو للجمع بين زوجتين دون عدل ولا علم، أو لإشباع نزوة عابرة دون تحمل تبعاتها، فإن السر هنا يصبح ستاراً للظلم، والفارق بين الحالتين هو الفارق بين من يستخدم الكتمان درعاً يحمي به حقاً، بين من يستخدمه خنجراً يطعن به خاصرة حق ليس من حقه، فديننا جاء ليقيم العدل، وكل ما أدى إلى ضياع الحقوق فهو مناقض لمقاصده.
ولذلك يصبح الزواج واقعاً بين الحقيقة الذاتية والحقيقة الاجتماعية، فلسفته تميز بين الوجود في ذاته والوجود لذاته، فالحب قد يكون موجوداً في ذاته بين طرفين، يشعران به ويصدقانه، لكن الزواج كيان اجتماعي لا يتحقق وجوده للآخرين إلا بالإعلان.
ولذا فإنه من دون هذا الإعلان تظل المرأة بلا صفة اجتماعية تحميها، ويظل الرجل بلا التزام معلن يقيده، ويظل الأبناء في المستقبل معلقين بين النسب والإثبات، فالإسلام حين أوجب الإشهار فإنه قد أراد بذلك خروج العلاقة من كهف الاحتمال إلى ساحة الممكن، أراد أن يمنح الضعيف سنداً، وأن يضع القوي أمام مسؤوليته العلانية التي اختارها بشجاعة.
ولذا لا بد من الخروج نحو فلسفة النور، لأن الزواج السري يضعنا أمام اختبار عميق للشجاعة الأخلاقية، فالشجاعة ليست في خرق المألوف فحسب، بل في تحمل تبعات هذا الخرق بشرف، نعم، هو شرف العهد والكلمة، فإذا كان الحب صادقاً والعقد صحيحاً، فلماذا يُدفن في الظلام؟ وإن كان في الظلام ما يريب، فهل يصلح أساساً لبيت يذكر فيه اسم الله؟
إن فلسفة الإسلام في الزواج تقوم على الوضوح، لأن الوضوح هو ما يصون الكرامة ويحفظ الحقوق ويبني المجتمعات، فالسر قد يكون في حالات استثنائية يقدرها الفقيه الثقة، لكنه لا يصلح قاعدة للحياة، فالقاعدة هي الإعلان، لأن النور ستر، والكتمان الدائم ريبة.
والميزان الذي لا يخطئ هو ميزان النبوة "اتقوا الشبهات"، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، والزواج أكرم من أن يُجعل شبهة، وأقدس من أن يعيش في الخفاء، إنه ميثاق غليظ، والميثاق الغليظ لا يُكتب بالحبر السري.
وتبقى المسألة مرتبطة بمدى وعي المجتمع وعدالة القوانين التي تنظم العلاقات الأسرية. فمعالجة الظاهرة تتطلب توازنا بين احترام الخصوصية الفردية وضمان الحقوق الاجتماعية، خاصة في ظل تغير المفاهيم العصرية للزواج. كما أن التوعية الدينية والقانونية تلعب دورًا محوريًا في الحد من هذه الممارسات.
المصدر الأصلي: الرياض
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.