«سرد الثقافي» يستعيد الموروث السعودي مع النشء عبر برنامج «أصيل».. من الجنوب نحو الأفق

مركز سرد الثقافي
الأربعاء، الموافق 22 من يوليو 2026
في إطار جهود المؤسسات الثقافية لتعزيز الهوية الوطنية لدى الأجيال الجديدة، تُقام برامج تفاعلية تهدف إلى ربط النشء بالموروث السعودي.
«الجزيرة» - وائل العتيبي:
في زمن تتسارع فيه التحولات، لا يعود الحفاظ على الموروث مجرد استعادة للماضي، بل يصبح فعلًا ثقافيًا يعيد تعريف الذاكرة للأجيال الجديدة. ومن هذا المنطلق، يواصل مركز سرد الثقافي تقديم برنامج «أصيل»، أحد برامج «بيوندفت» (Beyondfit)، في نسخته الخامسة، عبر تجربة تفاعلية تسعى إلى نقل القيم السعودية من حكايات الموروث إلى فضاء الممارسة والمعايشة.
اقتصادالسعودية
يقام البرنامج على مرحلتين؛ الأولى خلال الفترة من 26 إلى 29 يوليو 2026، والثانية من 2 إلى 5 أغسطس 2026، في مركز سرد الثقافي بجامعة الملك سعود، مستهدفًا النشء من 6 إلى 16 عامًا، في تجربة تمتد أربعة أيام، تجمع بين المعرفة والممارسة واللعب، وتمنح المشاركين فرصة الاقتراب من تفاصيل الهوية السعودية بوصفها حياة تُعاش، لا معلومات تُلقّن.
يأتي عنوان البرنامج «من الجنوب.. نحو الأفق» ليعبّر عن أن التراث، مهما كان مصدره الجغرافي، قادر على الوصول إلى آفاق أوسع حين يُقدّم بأسلوب معاصر وتفاعلي. فهو لا يكتفي بعرض التراث، بل يُشرك المشاركين في تجربة حية ليتعرفوا على قيم الضيافة، وآداب المجلس، والبروتوكولات الوطنية، والحرف السعودية، والقهوة، وعلم التمور، وغيرها من مكونات الشخصية السعودية الأصيلة.
وتتسع التجربة لتشمل التعريف بالزي السعودي والعرضة النجدية، وملامح البيت السعودي وعلاقة «سابع جار»، إلى جانب استحضار الأعياد والمناسبات الوطنية، وتجارب «صقار المستقبل»، و«بيت وقصيد»، في برنامج يزاوج بين الموروث المادي والقيم الاجتماعية والذاكرة الشفوية، ويعيد تقديمها بأسلوب يقترب من عالم النشء واهتماماتهم.
يقوم جوهر «أصيل» على أن الهوية لا تُورّث بالكلمات وحدها، بل تُبنى بالتجربة. فعندما يتعلم الطفل آداب المجلس، ويمارس تقاليد الضيافة، ويتعرف على الحرف، ويستمع إلى القصيدة، ويرى تفاصيل البيت السعودي، فإنه لا يتلقى درسًا في التراث بقدر ما يكتشف جزءًا من ذاته وذاكرته الجماعية.
من خلال هذه التجربة، يؤكد مركز سرد الثقافي دوره بوصفه فضاءً يتجاوز حفظ الحكاية إلى إعادة إنتاجها، وتحويل الثقافة إلى ممارسة حية قادرة على الوصول إلى الأجيال الجديدة. فالموروث، في «أصيل»، لا يقف خلف زجاج المتحف، ولا يبقى أسير الذاكرة؛ بل يتحرك في الورشة، والمجلس، والقصيدة، والزي، والقهوة، والحرفة، ليصبح جزءًا من يوم الطفل ووعيه.
وبين الجنوب الذي ينطلق منه العنوان، والأفق الذي يتجه إليه، يقدّم «أصيل» رؤيته للموروث بوصفه أساسًا للمستقبل؛ فكلما عرف الأبناء أصلهم، امتلكوا قدرة أكبر على الذهاب نحو آفاقهم الجديدة بثقة واعتزاز. وهي الفكرة التي يلخصها البرنامج في جوهره: أن بناء الشخصية السعودية الحديثة لا ينفصل عن جذورها، وأن المستقبل لا يلغي الموروث، بل يمنحه لغة جديدة ليظل حيًا.
يأتي تنظيم البرنامج ضمن جهود مركز سرد الثقافي في دعم الوعي الثقافي لدى النشء، وتعزيز ارتباطهم بالهوية الوطنية من خلال برامج تجمع بين المعرفة والمتعة والتجربة، في وقت تتجه فيه المؤسسات الثقافية إلى ابتكار مساحات جديدة تجعل الثقافة جزءًا من الحياة اليومية للأجيال القادمة. هذه الصياغة جعلت الفعاليتين امتدادًا لبرنامج واحد بدل تكرار التفاصيل، وأبرزت مركز سرد الثقافي باعتباره فاعلًا ثقافيًا لا مجرد موقع لاستضافة النشاط.

يُعد هذا البرنامج نموذجًا للمبادرات الثقافية المعاصرة التي تسعى إلى تجاوز النمط التقليدي في تقديم التراث، وجعله جزءًا من تجربة حياتية ممتعة. وتأتي أهمية «أصيل» في كونه يسهم في بناء جيل واعٍ بهويته، قادر على استيعاب قيم الماضي بأدوات الحاضر، مما يعزز استمرارية الموروث في وعي الأجيال القادمة. ومع تزايد التحولات الاجتماعية، تبرز حاجة ملحة لمثل هذه البرامج التي تجعل الثقافة ممارسة حية لا مجرد معلومات.
المصدر الأصلي: صحيفة الجزيرة
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.