شهدت المملكة العربية السعودية تطوراً واسعاً في مختلف المجالات، مما استدعى امتلاك برنامج نووي سلمي يواكب هذا النهج الحديث. وفي إطار سعيها لطمأنة المجتمع الدولي، أكدت الرياض، بصفتها دولة موثوقة، أن برنامجها النووي سيُستخدم حصراً للأغراض السلمية، مستفيدة من الدروس المستخلصة من تجربة إيران التي أثارت الشكوك حول نوايا الدول غير الشفافة.

تأتي هذه الخطوة في إطار توجه عالمي متزايد نحو استخدام الطاقة النووية لأغراض سلمية، وتسعى السعودية من خلالها إلى تنويع مزيج الطاقة لديها.

تحليلسياسي سعودي

* *

لم تحتج المملكة إلى جهد كبير لنفي أي تخوف عالمي من برنامجها النووي، نظراً لسمعتها المبنية على المصداقية في التعاملات السابقة. وقد برز ذلك في الاتفاق مع الولايات المتحدة على البرنامج النووي السلمي، الذي لاقى اهتماماً عالمياً، خاصة في ظل التوترات القائمة بين واشنطن وطهران بسبب إصرار الأخيرة على تخصيب اليورانيوم وامتلاك سلاح نووي.

* *

هذا الاتفاق يؤسس لتجذير علاقة تاريخية بدأت منذ عهد الملك عبدالعزيز بين المملكة وأمريكا، مصحوباً بثقة في التزامات المملكة بما تُوقع عليه، بما في ذلك مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، ضمن الشراكة الإستراتيجية التي تجمع بين البلدين الصديقين أمريكا والمملكة، وامتداداً لتعزيز التعاون الثنائي المشترك في مجالات الطاقة والتقنيات المتقدمة.

* *

وقع الاتفاق كل من الأمير عبدالعزيز بن سلمان وزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية، ونظيره الأمريكي كريس رايت، استكمالاً لما أُعلن خلال زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى الولايات المتحدة العام الماضي. ومن شأن الاتفاق أن يعزز تبادل الخبرات والمعرفة والتقنيات بين البلدين، وفقاً لأعلى المعايير الدولية في الأمن والسلامة النووية ومنع الانتشار.

* *

وبحسب ما تم الإعلان عنه، فإن هذا الاتفاق، سيكون بمثابة دعم للجهود الرامية إلى تنويع مصادر الطاقة، وتطوير التقنيات المتقدمة، وتعزيز فرص التعاون، والاستثمار بما يحقق المصالح المشتركة بين البلدين الصديقين، والأهم -كما قال وزير الطاقة الأمريكي- من أن الاتفاق، ومعه اتفاق آخر مرفق يتعلق بالضمانات، إنما يضع الإطار القانوني لشراكة تمتد لعقود، وتُقدّر بمليارات الدولارات، بما يدعم تلبية احتياجات المملكة من الطاقة، ويتيح للشركات الأمريكية المشاركة في البرنامج النووي السعودي، مع الالتزام بأعلى معايير السلامة، والأمن النووي، ومنع الانتشار.

* *

أكد وزير الطاقة الأمريكي أن هاتين الاتفاقيتين ستضاعفان العلاقات التجارية بين البلدين، مضيفاً: "يمكنكم الاطمئنان على الالتزام بمعايير السلامة النووية، ومنع الانتشار". وأشار إلى أن الاتفاقيتين تعتمدان على أفضل التقنيات النووية والعلماء في العالم، وهي تقنيات طوّرت في أمريكا وستعود بفوائد طويلة الأمد على الشعبين السعودي والأمريكي.

* *

وهكذا تأتي وتتوالى الإنجازات في المملكة بالتفاهم والحوار والعلاقات التاريخية المتميزة مع دول العالم، بما وفر للمملكة مزيداً من الازدهار، ولشعبها الأمن والاستقرار والعيش الكريم.

يمثل هذا الاتفاق تتويجاً لعلاقات تاريخية تمتد لقرن بين الرياض وواشنطن، ويعزز التعاون الاستراتيجي في مجالات الطاقة والتقنيات المتقدمة. كما أنه يأتي في وقت حساس تشهد فيه المنطقة توترات حول برنامج إيران النووي، مما يمنح السعودية ثقلاً دبلوماسياً إضافياً. ومن المتوقع أن يسهم الاتفاق في نقل التكنولوجيا النووية الحديثة إلى المملكة، وتدريب الكوادر الوطنية، ودعم أهداف رؤية السعودية 2030. ويُنتظر أن تتبعه خطوات تنفيذية تشمل بناء مفاعلات نووية سلمية تحت إشراف دولي، مما يعزز موقع المملكة كدولة رائدة في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية في المنطقة.