أوراق محرر

الحاجة إلى مظلة وطنية للمتقاعدين

تجاوز عدد المتقاعدين ومن انقطعوا عن العمل في المملكة نصف مليون شخص، يشكلون ثروة من الخبرات المتراكمة دون إطار مؤسسي يجمعها أو يستثمرها على الوجه الأمثل. وعلى الرغم من وجود جمعية للمتقاعدين تبذل جهوداً مقدرة، إلا أن الوقت قد حان لتطوير دورها وتوسيع نطاقه ليشمل العمل التعاوني المنظم.

تزايد الاهتمام في الآونة الأخيرة بدور المتقاعدين كرأسمال بشري يمكن استثماره في خدمة الاقتصاد والمجتمع.

وتدعم التجارب الدولية هذا التوجه، فهناك نماذج ناجحة في دول عدة، أبرزها الولايات المتحدة عبر منظمة (AARP) التي تعد أكبر مظلة عالمية وتقدم خدمات مهنية وصحية وقانونية للمتقاعدين. وفي كندا، يؤدي المجلس الوطني لكبار السن دور المظلة الحكومية الأهلية الاستشارية للحكومة والمشاركة في صياغة السياسات المتعلقة بالمتقاعدين.

أما سنغافورة، فتعتمد نموذج لجان الخبراء المتقاعدين التي تستثمر خبراتهم في مشروعات الدولة والقطاع الخاص عبر منصات إلكترونية متخصصة. وفي ألمانيا، تنتشر مكاتب Seniorenbüro التي تقدم خدمات اجتماعية ومهنية وتتيح للمتقاعدين المشاركة في أعمال البلديات، فيما تُعد اليابان من أنجح التجارب عبر مراكز الموارد البشرية الفضية التي توفر فرص عمل بدوام جزئي وخدمات مدفوعة تعتمد على خبرات المتقاعدين.

إن إنشاء جمعية تعاونية للمتقاعدين ليس مجرد فكرة، بل ضرورة وطنية. فالجمعية المقترحة –كما طرحها د. عثمان بن عبدالعزيز العثمان– يمكن أن تكون بيت خبرة وطنيًا يضم المتخصصين من مختلف المجالات، ويقدم خدمات استشارية ومهنية للقطاعات الثلاثة. كل ما يصدر عن الجمعية أو أعضائها من دراسات أو استشارات سيكون بمقابل مالي متفق عليه بالتراضي بين الجمعية والخبير، مما يخلق مصدر دخل مستدام ويعيد تفعيل خبرات المتقاعدين في خدمة الوطن.

وهذه الرؤية ليست مستحدثة بالكامل؛ فقد أبدى تأييده لها معالي الدكتور محمد الرشيد –رحمه الله– خلال توليه وزارة التربية والتعليم، لكنها لم تُنفذ رغم جدواها. واليوم، في ظل وجود جمعية خبراء لتمكين القطاع الثالث التي تعمل تطوعياً ضمن نطاق محدود، تبرز الحاجة الملحة إلى مظلة أكثر شمولاً تخدم القطاعات كافة وتستثمر الكفاءات الوطنية بدلاً من الاعتماد على الخبراء الأجانب.

ويمكن تسويق الجمعية التعاونية للمتقاعدين على أنها بنك معلومات وطني أو هيئة خبرة سعودية تقدم خدمات احترافية للجهات الحكومية والخاصة وغير الربحية. كما يمكن إطلاق منصة إلكترونية تستوعب الكفاءات المتقاعدة الراغبة في العمل والاستشارات، وفق نموذج واضح يشمل السيرة الذاتية، التخصص، الضوابط المهنية، وآلية التعاقد بين الخبير والجمعية والجهة المستفيدة.

إن تأسيس هذه المظلة سيعيد للمتقاعد دوره الحقيقي، ويستثمر خبرته ووقته وعلاقاته، ويحقق حلمًا وطنيًا بأن يحل الخبير المواطن محل الخبير الوافد، في خدمة الوطن والمجتمع والاقتصاد.

وبالنظر إلى التحديات الاقتصادية والتنموية التي تواجه المملكة، يصبح الاستفادة من خبرات المتقاعدين ضرورة ملحة لتوفير كوادر وطنية مؤهلة وتقليل الاعتماد على الخبرات الخارجية. كما أن إنشاء مظلة وطنية منظمة سيسهم في تعزيز العمل التطوعي والتعاوني وتحقيق أهداف رؤية المملكة 2030 في تنويع الاقتصاد وتمكين المواطنين.