واقعة جلد علني لامرأة ليبية في شوارع سبها (جنوب غرب البلاد) استأثرت باهتمام الرأي العام، وأثارت تساؤلات واسعة حول طبيعة النظام القانوني في بلد يعاني انقساماً سياسياً، ومن هم المستهدفون بتطبيقه.

ليبيا تشهد انقساماً سياسياً حاداً بين الشرق والغرب منذ عام 2014، مما أثر على استقرار المؤسسات القضائية.

إعلان محكمة جنايات في سبها تنفيذ عقوبة الجلد علناً بواقع 100 جلدة على امرأة ليبية أثار غضب أطياف عدة، إذ يرى منتقدون أن «قانون إقامة حد الزنا رقم 70 لسنة 1973» لا ينص على العلنية، كما شككوا في إمكانية تطبيق القانون على الجميع، خصوصاً قادة الميليشيات.

جانب من الملتقى الأول بين المجلس الأعلى للقضاء وجهاز الشرطة القضائية في شرق ليبيا في 7 يوليو الحالي (الشرطة القضائية)
جانب من الملتقى الأول بين المجلس الأعلى للقضاء وجهاز الشرطة القضائية في شرق ليبيا في 7 يوليو الحالي (الشرطة القضائية)

تطبيق الحدود دون تمييز

جانب من هذه الرؤية طرحها هشام سالم الحاراتي، الباحث القانوني الليبي، الذي أشاد بـ«كل جهد يبذل في سبيل إنفاذ القانون وإقامة العدل»، لكنه قال: «نحن في حاجة ماسة إلى تطبيق الحدود دون انتقائية؛ إذ لا يجوز أن نقف عند باب واحد ونغلق الباقي».

وانطلق الحاراتي من أن «الليبي الذي أنهكته الأزمات، وانقطعت عنه الكهرباء، وضاقت به المعيشة، وتآكل دخله، لا يريد أن يرى الحدود تستدعى في ملف، وتغيب في ملفات أكبر وأخطر».

الحاراتي لم يعترض على تطبيق الحدود، لكنه طالب بأن تكون «بعدل واتساق وليس بانتقائية»، داعياً إلى محاسبة كل من سرق المال العام وأفسد المؤسسات وأضاع المليارات وانتهك حقوق الليبيين.

وانتقد الحاراتي واقعة الجلد، موضحاً أن «الشريعة ليست حدوداً ترفع عند الحاجة، بل منظومة عدل كاملة، تبدأ بإقامة الحق، وحماية الأموال، وصون الحقوق، ومحاربة الفساد، ثم يأتي الحد في موضعه، بعد أن تستقيم الدولة ويقام العدل على الجميع بلا استثناء»، رافضاً أن «يؤخذ الضعيف وحده، ويترك أصحاب النفوذ والمال والإفساد... هذه ليست العدالة التي أمر الله بها، ولا التطبيق الذي ينتظره الليبيون».

الصديق الصور النائب العام الليبي (مكتب النائب العام)
الصديق الصور النائب العام الليبي (مكتب النائب العام)

وأخضع العديد من كبار المسؤولين في ليبيا وقادة ميليشيات بارزين للتحقيق من قبل النائب العام في قضايا فساد، واعتداء على المال العام، لكن أُطلق سراحهم بعد فترات من التوقيف دون أحكام بالسجن.

«أحكام انتقائية»

الحقوقيون والنشطاء والمواطنون أعربوا عن استغرابهم من حكم محكمة تابعة لسلطات بنغازي بجلد المرأة، مشيرين إلى أنها أول مرة يحدث مثل هذا الأمر منذ طرد تنظيم «داعش» عام 2016، وتساءلوا: «أين الزاني؟ ولماذا لم نسمع أو نشاهد حكماً مماثلاً على لصوص المال العام في ليبيا؟».

ويستند النظام القانوني في ليبيا إلى الشريعة الإسلامية، والقانون المدني، وقد وُضع أساسه التشريعي بصدور دستور المملكة الليبية لسنة 1951 في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1951، وإصدار القانون المدني الليبي في 28 نوفمبر (تشرين الثاني) 1953، الذي بدأ العمل به في أوائل عام 1954.

ودفاعاً عن القانون الليبي، قال المحامي أحمد نشاد، إن «نصوصه تطبق على الجميع بلا استثناءات»، مشيراً إلى أن «الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للقانون؛ ولا تخالف نصوص القانون المدني أحكامها».

وذهب نشاد، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «واقعة جلد امرأة سبها صحيحة في أصلها، لأن القانون الذي طبقت أحكامه هو أحد قوانين الحدود المتعلقة بالزنا»، ورأى أنه «لا يطبق حد الجلد إلا بعد إقرار المتهم بفعله أمام القاضي، وإصراره على ما قام به».

وعقب ساعات من انشغال الرأي العام بالواقعة، أعلن جهاز الشرطة القضائية مساء الخميس، إيقاف كافة المسؤولين المباشرين عن واقعة تصوير ونشر مقطع الفيديو الذي وثق تنفيذ الحكم في قضية حد الزنا، وإحالتهم إلى التحقيق، مع تشكيل لجنة تحقيق عليا للوقوف على ملابسات الواقعة.

وهنا يرى نشاد أن «الإثارة والجدل اللذين أعقبا الواقعة ليسا في قضية الجلد ذاتها، لكن في طرح الواقعة على منصات التواصل الاجتماعي»، وانتهى متسائلاً: «هل يعتبر هذا الفعل من قبيل التشهير بالفاعل، أم هو من قبيل الإشهاد على تنفيذ الحد الشرعي ليكون فيه عبرة للغير؟».

حديث المحامي نشاد، الذي انتصر لجهة تطبيق القانون الليبي على الجميع، تعارض مع أحاديث نشطاء وحقوقيين أشاروا إلى أن مثل هذه الأحكام «تطبق على الضعفاء»، وتساءلوا عن «أسباب عدم قطع يد السارق».

ووفق تقارير محلية وأممية، يتغول الفساد في جل المؤسسات الليبية، رغم أن البيانات تشير إلى أن تصنيف ليبيا في مؤشر مدركات الفساد تراجع في أحدث تصنيف إلى المرتبة 177 من أصل 182 دولة في 2025، بعد أن كان في المرتبة 173 من 180 دولة عام 2024.

من جانبه، تساءل الكاتب الليبي المقيم في أميركا، علي جماعة علي: «لماذا تجلد امرأة ضعيفة، ولا تقطع يد رجل سارق، على كثرة السراق في بلادنا وقلة الزانيات بالمقارنة؟»، وأجاب: «إن ادعاء تطبيق الشريعة في عصر الدولة الوطنية الحديثة هو شعار فارغ، وحيلة خبيثة قصد منها دغدغة مشاعر البسطاء».

الشرطة القضائية في شرق ليبيا تعهدت بمحاسبة من تورط في واقعة جلد المرأة علناً (الشرطة القضائية)
الشرطة القضائية في شرق ليبيا تعهدت بمحاسبة من تورط في واقعة جلد المرأة علناً (الشرطة القضائية)

وتابع علي موضحاً: «إذا كان الغرض الأسمى للشريعة هو إرساء العدل والقضاء على الظلم ومحاربة الفساد، فينبغي البدء من مكان آخر غير جسد امرأة ضعيفة، في حين لا يجرؤ على انتقاد أصحاب السلطة والقوة».

وأمام كثرة التساؤلات عن أسباب عدم قطع يد السارق، ذهب المحامي أحمد نشاد إلى أنها «تقطع في حال توفرت أركان إقامة الحد الشرعي».

وفي سياق نقد واقعة الجلد، تحدث الدكتور عقيلة دلهوم، عضو المكتب السياسي للراحل سيف الإسلام، عن «حرارة طقس سبها، وصرامة تطبيق القانون على الضعفاء»، قال إن «مشهد العقوبة العلنية في سبها أعاد إلى الذاكرة مشاهد (داعش) في سرت... فهل هذه هي صورة العدالة التي نريدها؟».

يشار إلى أنه في نهاية 2016، أعلنت سلطات طرابلس دحر تنظيم «داعش» الذي كان يسيطر على مدينة سرت، مسقط رأس الرئيس الراحل معمر القذافي.

القضية تسلط الضوء على تحديات تطبيق الشريعة في ظل غياب سلطة قضائية موحدة. كثير من قادة الميليشيات والمسؤولين تم توقيفهم سابقاً لكن أطلق سراحهم دون محاكمات، مما يضعف الثقة في النظام. يرى مراقبون أن هذه الحادثة قد تثير موجة جديدة من المطالبات بإصلاح المنظومة القانونية، لضمان عدم انتقائية تطبيق العقوبات. كما تبرز الحاجة إلى توحيد القضاء بين الشرق والغرب لتحقيق العدالة للجميع.