ملخص

تتحول القنابل الانزلاقية إلى أحد أبرز أسلحة الحرب في أوكرانيا بفضل كلفتها المنخفضة وقدرتها التدميرية الكبيرة. ومع تراجع فاعلية المدفعية التقليدية، لجأت موسكو وكييف إلى هذه الذخائر لتعزيز تفوقهما الميداني، في سباق تسلح جديد قد يؤثر بصورة مباشرة في مسار الحرب.

أعلنت السلطات الأوكرانية مقتل شخصين وجرح ما لا يقل عن 15 شخصاً الأسبوع الماضي، في هجوم روسي بالقنابل الانزلاقية على مدينة زابوريجيا الأوكرانية، الواقعة جنوب شرقي البلاد.

وفي منشور عبر تطبيق "تيليغرام"، كتب حاكم الإقليم إيفان فيدوروف أن القوات الروسية استهدفت المدينة بسبع قنابل، خلال فترة زمنية لا تتجاوز 90 دقيقة.

وفي زابوريجيا، كما في أرجاء أوكرانيا عموماً، تنفذ هذه الضربات أكثر فأكثر باستخدام القنابل الانزلاقية، وهي ذخائر منخفضة الكلفة، يقول الخبراء إنها تعاود رسم معالم الحرب في أوكرانيا.

ويتراوح وزن هذه القنابل التقليدية المزودة بأجنحة ونظام توجيه بين مئات الكيلوغرامات وعدة أطنان، وقد أصبحت من أكثر الأسلحة الروسية فاعلية منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022.

اقرأ المزيد

وازدادت فتكاً بصورة خاصة في الآونة الأخيرة، مع إطلاق آلاف منها خلال الأشهر الماضية.

ومن ثم، فإن قدرتها على تدمير مبنى سكني كامل في زابوريجيا أو خيرسون، بقنبلة واحدة تطلق من داخل الأراضي الروسية بعيداً من الدفاعات الجوية الأوكرانية، يشكل مصدر إرباك وقلق في أوساط القادة الأوكرانيين.

هذا ما كانت عليه الأمور حتى مايو (أيار) الماضي، حين أعلنت أوكرانيا نجاحها في تطوير قنبلتها الانزلاقية الخاصة.

ومع أن الحلفاء الغربيين كانوا قد زودوا أوكرانيا بقنابل انزلاقية، أعربت كييف عن امتعاضها إزاء إحجام الغرب عن تزويدها بإمدادات كافية. بالتالي، أمضت البلاد 17 شهراً في تطوير قنبلة محلية الصنع، حملت اسم "فيريفنيوفاتش" Vyrivniuvach، ويعني اسمها "المعادل".

وقال كير جايلز، الزميل المشارك في "برنامج روسيا وأوراسيا" لدى "تشاتام هاوس"، ومؤلف كتاب بعنوان "من سيدافع عن أوروبا؟" Who Will Defend Europe، "خلال فترة طويلة، لم تتوافر وسائل دفاع عملية في مواجهة القنابل الانزلاقية الروسية، وهو ما أسهم إلى حد كبير في زيادة حجم الخسائر البشرية الأوكرانية على طول الجبهة".

ما الذي يجعل القنابل الانزلاقية سلاحاً حاسماً ميدانياً؟

على رغم انخفاض كلفتها وموثوقيتها العالية، فإن لجوء الطرفين إلى هذا السلاح كان مدفوعاً في المقام الأول بالضرورة، بعدما أصبحت أشكال المدفعية التقليدية أقل فاعلية أو خرجت من الخدمة.

ووفقاً لموقع "ميليتاري بالانس" (Military Balance)، نجحت الطائرات المسيرة عبر ساحات القتال الحديثة في أوكرانيا في تعقب وتدمير الغالبية العظمى من مدافع الهاوتزر لدى الجانبين.

حريق هائل جراء ضربة روسية بقنبلة انزلاقية على مدينة كوبيانسك عام 2025 (جهاز الطوارئ الحكومي الأوكراني)

حريق هائل جراء ضربة روسية بقنبلة انزلاقية على مدينة كوبيانسك عام 2025 (جهاز الطوارئ الحكومي الأوكراني)

ومع استنزاف قطع المدفعية لدى كل من موسكو وكييف، برزت ذخائر "بعيدة المدى"، على غرار القنابل الانزلاقية، بوصفها حلاً، بالنظر إلى قدرتها على إيصال كميات كبيرة من المتفجرات إلى أهداف واقعة على مسافة عشرات الكيلومترات.

وفي الآونة الأخيرة تسارعت وتيرة استخدامها، إذ أفادت مجلة "فوربس" بأن روسيا أطلقت أكثر من 1800 قنبلة انزلاقية في الأسبوع الأول من يونيو (حزيران) الماضي وحده.

انخفاض في الكلفة وسهولة في التصنيع

وكما هي الحال مع المسيرات التجارية الجاهزة للاستخدام، والطائرات المسيرة منخفضة الكلفة من طرازي "بيرقدار" و"شاهد" التي طبعت مسار الحرب، تتميز القنابل الانزلاقية الروسية والأوكرانية أيضاً بانخفاض الكلفة وسهولة التصنيع.

ويأتي الجزء الأكبر من المخزون الروسي من قنابل تعود إلى الحقبة السوفياتية جرى تزويدها بمنظومة بسيطة تضم أجنحة قابلة للطي، ووحدة قياس بالقصور الذاتي، ونظام توجيه بالأقمار الاصطناعية يعرف باسم "الوحدة العالمية للانزلاق والتصحيح" (UMPK).

وقد صممت هذه القنابل لتطلقها مقاتلات روسية مثل "سو-34" أثناء التحليق على ارتفاعات شاهقة، ثم تنزلق لمسافة تراوح ما بين 60 و95 كيلومتراً قبل أن تلقي حمولة متفجرة يراوح وزنها ما بين 250 و3000 كيلوغرام.

وهذه المسافة الفاصلة بين نقطة الإطلاق والهدف، إلى جانب افتقارها إلى بصمة حرارية وقدرتها على الهبوط سريعاً من ارتفاع كبير قبل لحظات من الاصطدام، تجعل اعتراضها أمراً بالغ الصعوبة.

في المقابل، تعد القنابل الانزلاقية الأوكرانية أخف وزناً بكثير من نظيراتها الروسية، إذ يبلغ وزنها نحو 250 كيلوغراماً.

أشد تدميراً من المسيرات

والأهم من ذلك أن الطرفين لم يستخدما هذه الذخائر في إطار الضربات الاستراتيجية ضد المدن والمناطق الصناعية الهادفة إلى إضعاف المعنويات وعرقلة خطوط الإمداد فحسب، بل جرى توظيفها أيضاً دعماً لما يعرف بـ"عقيدة التركيز على النيران"، إذ توجه النيران المدفعية تكتيكياً نحو مواقع العدو الأمامية، سواء لتمهيد الطريق أمام الهجمات البرية عبر إضعاف الدفاعات أو لتدمير مواقع المراقبة والاستطلاع.

وقد حرص الجانبان على إبراز هذا الاستخدام من خلال مقاطع فيديو نشرت أخيراً على وسائل التواصل الاجتماعي، تظهر قنابل انزلاقية وهي تستهدف مواقع الطرف الآخر خلال العمليات القتالية.

وفي هذا السياق، قال المحلل البحثي في "المعهد الملكي للخدمات المتحدة" (RUSI) كريستوف بيرغس: "تكاد جميع مواقع المدفعية الأوكرانية على خطوط الجبهة تكون عرضة للتدمير".

وأضاف: "صحيح أن المسيرات الرباعية المزودة بتقنية "منظور الشخص الأول" (FPV) والمسيرات التكتيكية قادرة على إصابة الأهداف، لكنها ببساطة لا تضاهي القدرة التدميرية لقنبلة تزن 250 أو 500 كيلوغرام".