استمرار الحرب لعبة خطيرة في الخليج
مواصلة هذه الحرب على هذا النحو لا تُعد خيارًا مريحًا للمنطقة والعالم، ودول الخليج مجتمعة لا ترغب في أن ترى نفسها مستقبلًا أمام جار مضطرب في بنيته السياسية داخليًا وخارجيًا، حيث يصعب الإصلاح ويستحيل الصبر في الوقت نفسه.
وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار حالة عدم الاستقرار في منطقة الخليج، التي تهدد مصالح دول الجوار والعالم.
عودة الحرب الأميركية ضد إيران تثير تساؤلات حاسمة بشأن مستقبل المنطقة، فالحرب المستمرة تشكل لعبة خطيرة على نتائجها ليس فقط إقليميًا بل على الأمن والسلم العالميين. وتتفاقم المخاطر منذ بداية الحرب، حيث تزايد التهديد عبر تعطيل الممرات الحيوية وتعقيد الوضع السياسي، مما جعل دول الخليج غير المعنية بها عالقة في مرمى النيران الإيرانية دون مبرر رغم إعلانها عدم دعم أي طرف.
ومنذ انطلاقة هذه الحرب الأميركية ضد إيران في جولتها الثانية وضعت دول المنطقة الكثير من السيناريوهات حول نهاية هذه الحرب، ولعل السيناريو الأسوأ بينها كان توقف الحرب أو حتى استمرارها دون نتائج فعلية وحاسمة، ومع أن أميركا حاولت أن تصل إلى صفقة مناسبة عبر الاتفاق الذي رعته باكستان، إلا أن ذلك الاتفاق لم يصمد أمام تحولات الحرب، فعادت الحرب بسرعة وعاد التهديد للممرات المائية وعاد القلق من تطورات الحرب.
اللعبة الخطيرة التي نتحدث عنها هي أن النتيجة التي سوف تصل إليها هذه الحرب بهذه الطريقة السائلة غير القادرة على تحديد معنى واضح للحسم يتمثل في خلق جوار مشتعل في منطقة الخليج لا يمكن تقدير أبعاده أو حتى التحكم فيه، استمرار هذه الحرب بهذه الطريقة ليس خيارًا مريحًا للمنطقة والعالم، والخليج بجميع دوله لا يسعى إلى أن يجد نفسه في المستقبل أمام جار مختل في بنيته السياسية الداخلية والخارجية، حيث يستحيل الإصلاح ويستحيل الصبر في آن واحد.
دول الخليج بقيادة السعودية الدولة الأكبر بينها لديهم تقييمهم الخاص حول الموقف القائم، والنقطة الأهم في ذلك تتمثل في إدراك دول الخليج للمخاطر المستقبلية، حيث ترفض هذه الدول جميع الأفكار التي تحاول تفسير الموقف الخليجي المتزن بأنه ضعف استراتيجي أو تراجع سياسي، الحرب الدائرة ليست جزءًا من أهداف دول الخليج، لذلك هي لم تسعَ للتخطيط لها أو تشجيع قيامها، ومع ذلك تتحمل الدول الخليجية دفع ثمن هذه الحرب بلا مبرر سياسي، فهم هذه الحرب وخطورتها لا يمكن أن يخرج من معطياتها الأساسية، فهذه الحرب تتزعمها أميركا حليف المنطقة بأكملها، وهنا يكمن التحدي الأكبر بين قلق المنطقة من حرب دائرة تتجرع نتائجها، وبين التعامل مع حليف استراتيجي مندفع يدرك خطورة الجغرافيا في هذه المنطقة في حال نشوب حرب واسعة يكون ثمنها إغلاق ممر مائي يمثل شريان الحياة ليس للخليج فقط بل للعالم أجمع، حيث تتعرض المصالح الاقتصادية الدولية إلى الدخول في حسابات خطيرة تهدد الاستقرار العالمي وتفتح أبواب الصراع أمام القوى الدولية الكبرى.
فكرة نهاية الحرب والنتيجة التي يمكن أن تؤول إليها لعبة أخطر أيضاً أمام المنطقة، عمليًا نتائج الحرب لن تكون شيئًا يمكن تجرعه وتحمله بسهولة بالنسبة للمنطقة، فالخارج من الحرب إما أن يكون جريحًا مصابًا تهدده الأزمات أو نموذجًا شرسًا ضد جيرانه، وهذه النتيجة لا يمكن قبولها من دول الخليج التي تسعى إلى استقرار المنطقة وفتح المسارات الدبلوماسية على مصراعيها للتعامل مع إيران كجار يجب استيعابه في المنطقة كعضو فاعل فيها وليس غير ذلك من التصورات التي تحاول أن تدفع بإيران أن تكون جزءًا من معادلة صراع عالمية بين القوى الدولية على حساب منطقة تبحث عن الاستقرار.
إدخال المنطقة في أزمات وجودية هي اللعبة الأخطر التي يمكن أن تنتجها هذه الحرب الدائرة، فالدفع المستمر نحو الاشتعال لا يمكن أن ينتج سوى مزيد من الأزمات، فإيران بسلوكها القائم حالياً تجاوزت في الواقع الخطوط الحمراء ولا يمكن التنبؤ بالمقدار الذي يمكن أن تتحمله دول الخليج أمام هذا التجاوز، الخيار الإيراني الناجح ألا تندفع دول الخليج نحو التفكير بإيران ما بعد الحرب لأن ذلك سوف يوفر كتلة كبرى من القوى لكتابة نهاية لهذه الأزمة، والفرصة القائمة هي أن تتخلى إيران عن تهديد الخليج وأن تفتح مسارًا واضحًا للتفاهم مع أميركا يضع حدًا لهذه الحرب، ففي النهاية سوف تكون إيران بحاجة ماسة بعدما تنتهي هذه الحرب إلى الموقف الخليجي والدعم السياسي والاقتصادي.
إن استمرار الحرب دون حسم يضع دول الخليج في موقف صعب، حيث تتحمل نتائجها دون أن تكون طرفًا فيها. كما أن تجاوز إيران للخطوط الحمراء يزيد من تعقيد المشهد، مما يستدعي تحركًا دبلوماسيًا عاجلًا لتجنب كارثة إقليمية. فالخيار الأفضل يبقى في فتح مسارات تفاهم مع إيران كجار يجب استيعابه، بدلاً من تحويلها إلى جزء من صراع عالمي على حساب استقرار المنطقة.
المصدر الأصلي: الرياض
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.