لا تمنح مفاتيحك لكل أحد
كشفت التجربة الحياتية، وما يترتب عليها من تفاعلات عبر منصات التواصل الاجتماعي، عن ظاهرة مقلقة تتمثل في منح الثقة المطلقة للآخرين، والاستناد إلى مشوراتهم دون تمحيص، مما يفتح الباب واسعاً أمام خيبات الأمل وشكاوى الخذلان المتكررة.
تعد مهارة التمييز بين النصيحة الصادقة والاستغلال العاطفي ركيزة أساسية في بناء العلاقات الإنسانية السليمة وتجنب المخاطر.
أخبار متعلقة
وقد تظهر هذه المشكلة لدى بعض النساء بصورة أكبر؛ لما يغلب على كثير منهن من رقة العاطفة وسرعة التعاطف.
يجب أن ندرك أنه ليس كل من يخاطب عاطفتك يريد مصلحتك، والعاقل يوازن بين الرحمة والحذر، ويتحقق من المعلومات، ويستعد للمخاطر قبل أن تقع، ولا يسمح للعاطفة أن تؤثر في حكمه على الآخرين.
في سيرة نبينا - صلى الله عليه وآله وسلم- حدث يبين وجوب الحذر قبل إعطاء الثقة للآخرين، فقد تواعد عمر بن الخطاب، وعَيَّاش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص بن وائل - رضي الله عنهم -، موضعًا اسمه التَّنَاضُب فوق سَرِف، يصبحون عنده، ثم يهاجرون إلى المدينة، فاجتمع عمر وعياش، وحُبس عنهما هشام، ولما قدما المدينة ونزلا بقباء، قدم أبو جهل وأخوه الحارث إلى عياش ـ وأم الثلاثة واحدة، وهي أسماء بنت مُخَرِّبَة ـ فقالا له: إن أمك قد نذرت ألا يمس رأسها مشط، ولا تستظل بشمس حتى تراك، فَرَقَّ لها عياش، فقال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا عياش، إنه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك، فاحذرهم، فوالله لو آذى أمك القمل لامتشطت، ولو قد اشتد عليها حر مكة لاستظلت، فأبى عياش إلا الخروج معهما ليبر قسم أمه، فقال له عمر، في خطوة مسبقة لمعالجة ما قد يترتب على هذه الثقة المفرطة: أما إذ قد فعلت ما فعلت، فخذ ناقتي هذه، فإنها ناقة نجيبة ذلول، فالزم ظهرها، فإن رابك من القوم ريب فَانْجُ عليها.
فخرج عليها معهما، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال له أبو جهل: يا ابن أمي، والله لقد استغلظت بعيري هذا، أفلا تعقبني على ناقتك هذه؟
فمنح عيّاش لعدوه ميزةً بدون مبرر، وأزال عنصر الأمان الذي كان يملكه، وقال: بلى، فأناخ وأناخا ليتحول عليها، فلما استووا على الأرض استغلوا لحظة الضعف، وعدوا عليه فأوثقاه وربطاه، ثم دخلا به مكة نهارًا موثقًا، وقالا: يا أهل مكة، هكذا فافعلوا بسفهائكم، كما فعلنا بسفيهنا هذا.
الخلاصة: الثقة كنز ثمين، فلا تمنحها إلا بعد أن ترى من صاحبها صدقًا يثبته، ومواقف تؤيده، وأمانة تشهد له.
[email protected]
إنَّ استحضار التاريخ والسير النبوية يقدم نماذج عملية توضح خطورة التسرع في منح الثقة للخصوم أو من يضمرون السوء. يظل جوهر الدرس هو ضرورة اقتران الثقة بالبرهان والمواقف الموثوقة، فالحذر ليس نقيضاً للأمانة، بل هو تدبيرٌ لحماية الذات والقرار.
المصدر الأصلي: اليوم
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.