عاش قطاع غزة ليلة عصيبة إثر سلسلة أوامر إخلاء صادرة عن الاستخبارات الإسرائيلية لمناطق سكنية ومخيمات نزوح، أعقبتها غارات استهدفت منازل سكنية، بعضها تضرر جزئياً وبعضها بقي سليماً، بالإضافة إلى مخرطة واحدة.

تأتي هذه الأحداث في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ أشهر، والتي أدت إلى نزوح واسع وتدمير هائل في البنية التحتية.

وعاش السكان لحظات عصيبة بعد أوامر الإخلاء، التي أتت عبر اتصالات هاتفية مع سكان في المناطق المستهدفة، خصوصاً بمدينة غزة، لا سيما جباليا في شمالها، وكذلك في وسط القطاع. مما تسبب في موجة نزوح كبيرة لآلاف الفلسطينيين الذين بقوا خارج ما تبقى من منازلهم ومخيمات النزوح لعدة ساعات في العراء، يبحثون عن أماكن آمنة لهم قبل تعرض المناطق للقصف.

فلسطينيون يعاينون الدمار الذي لحق بمسجد النور بعد استهدافه من إسرائيل في مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة يوم الجمعة (د.ب.أ)
فلسطينيون يعاينون الدمار الذي لحق بمسجد النور بعد استهدافه من إسرائيل في مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة يوم الجمعة (د.ب.أ)

قبل منتصف ليل الخميس-الجمعة، بدأت الغارات باستهداف عمارة سكنية في مخيم جباليا شمال القطاع، بعد إخلاء المنطقة، ما أدى إلى انفجارات كبيرة وأضرار في الخيام المجاورة.

وتبع ذلك استهداف مسجد متضرر جزئياً، وبجواره منزل في مخيم البريج وسط قطاع غزة بعد أن طلب من سكان المربع السكني في المنطقة إخلاؤه، ما أدى إلى تدميرهما والتسبب في أضرار جسيمة في المنازل المحيطة، ليعود السكان إليه بعد ساعتين من الإخلاء من دون أن يجدوا مكاناً يلجؤون إليه بعدما فقدوا منازلهم أو تضررت ولم يعد بعضها يصلح للسكن. فيما قصف لاحقاً منزل آخر في مخيم المغازي بالمنطقة الوسطى للقطاع، ما تسبب في أضرار متفاوتة بمنازل وعيادة طبية لجمعية خيرية في المكان، وتسبب ذلك أيضاً في تشريد عائلات لم يعد لديها منازل تلجأ إليها.

الطائرات الحربية الإسرائيلية قصفت بناية سكنية في محيط منطقة الصحابة بوسط غزة، مما أدى إلى تدميرها وحدوث أضرار في المنطقة، بما في ذلك خيام نازحين فقد بعضها مأواه.

فلسطينيون يعاينون الدمار الذي لحق بمسجد النور بعد استهدافه من إسرائيل في مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة يوم الجمعة (د.ب.أ)
فلسطينيون يعاينون الدمار الذي لحق بمسجد النور بعد استهدافه من إسرائيل في مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة يوم الجمعة (د.ب.أ)

معظم من دمرت منازلهم أو تضررت بشدة فقدوا ممتلكاتهم، إذ أمهلتهم القوات الإسرائيلية وقتاً قصيراً للخروج دون اصطحاب سوى أوراقهم الثبوتية وأموالهم، وبعد القصف بحث كثيرون عن خيام من مؤسسات أو لجؤوا لأقارب مؤقتاً.

ولم يعلق الجيش الإسرائيلي على الهجمات، في وقت كان يدعي في هجمات مماثلة وقعت خلال الأيام الماضية أنه هاجم مخازن وأماكن لتصنيع الأسلحة من قِبَل «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى.

وتسببت تلك الغارات في مقتل سيدة فلسطينية من سكان مدينة غزة، من دون أن توضح أي من المصادر الطبية فيما إذا كانت وفاتها نتيجة إصابتها بشظايا أم نتيجة توقف قلبها بشكل مفاجئ إثر الغارات العنيفة.

فلسطيني يبحث عن أغراضه وسط الدمار الذي أحدثته إسرائيل في شارع الجلاء بمدينة غزة يوم الجمعة (أ.ف.ب)
فلسطيني يبحث عن أغراضه وسط الدمار الذي أحدثته إسرائيل في شارع الجلاء بمدينة غزة يوم الجمعة (أ.ف.ب)

وقتل، ظهر الجمعة، شاب وطفلة تبلغ من العمر (7 سنوات) برصاص الآليات الإسرائيلية المتمركزة في مناطق تقع بالقرب من خيام النازحين في المواصي شمال غربي رفح، وجنوب خان يونس. حيث تشهد المنطقة منذ عدة أيام تصعيداً واضحاً بشكل لافت من خلال تعمد إطلاق النار على الخيام ما أدى إلى وقوع العديد من الفلسطينيين ما بين قتلى وجرحى، توصف حالة بعضهم بأنها خطيرة.

وخلال ساعات الليل كثفت إسرائيل من عمليات النسف في مناطق شمال خان يونس، وكذلك مناطق أخرى على جانبي الخط الأصفر.

وعدّت حركة «حماس» الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة، وتدمير مبانٍ سكنية وصناعية، إلى جانب التسبب في تدمير مسجد ومحيطه السكني، وإصدار إنذارات بالإخلاء لمنازل وأحياء، أنه يمثل «استمراراً لحرب الإبادة ضد المدنيين الأبرياء في القطاع، وإمعاناً في التنصل من اتفاق وقف إطلاق النار وإفشاله». متهمةً، في بيان لها، حكومة بنيامين نتنياهو بتصعيد وتيرة عدوانها، والتنصل من كل التزاماتها بموجب اتفاق شرم الشيخ، ومواصلة حرب وعمليات القتل والتدمير في القطاع التي لم تتوقف منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار.

وحسب وزارة الصحة بغزة، فإن إسرائيل قتلت أكثر من 1187 فلسطينياً منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

وتدعو «حماس» باستمرار الإدارة الأميركية الراعية لاتفاق شرم الشيخ، والدول الضامنة والوسطاء، التحرك لمجابهة السلوك الإسرائيلي على الأرض، وإجبار حكومة نتنياهو على وقف انتهاكاتها.

ووجه رئيس حركة «حماس» الجديد، خليل الحية، رسائل إلى قادة الدول الوسيطة في مصر وقطر وتركيا، دعا فيها إلى بذل كل الجهود اللازمة والمطلوبة من أجل إلزام إسرائيل بوقف خروقاتها وتطبيق التزاماتها في الاتفاقات الموقعة، مستعرضاً الانتهاكات الإسرائيلية المرتكبة بشكل يومي، والتي تعمد تصعيدها في الأيام الأخيرة بهدف تعطيل الوصول إلى اتفاق يحقق الأمن والاستقرار. عادّاً ما تقوم به تحدياً لإرادة الضامنين والمجتمع الدولي الذي يدعم الاتفاق ويعمل على استكماله. كما ورد في بيان عن مكتبه مساء الخميس.

الغارات الأخيرة ترفع حصيلة الدمار في قطاع غزة، حيث تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية رغم الدعوات الدولية لوقف إطلاق النار. وتشير المصادر الطبية إلى ارتفاع عدد الضحايا المدنيين، في ظل ظروف إنسانية مزرية. ولم يصدر تعليق رسمي من الجيش الإسرائيلي على هذه الهجمات، لكنه غالباً ما يبررها بأنها تستهدف بنية حماس العسكرية. في الأثناء، تواصل الفصائل الفلسطينية إطلاق الصواريخ نحو إسرائيل، مما يزيد من تعقيد المشهد.