"جبل الفأس".... قصة "الحصن النووي" الأخطر في إيران
ملخص
أعربت مراكز أبحاث غربية، منذ أشهر، عن مخاوفها من أن يكون مجمع "جبل الفأس" النووي موقعاً لنشاطات حساسة، مرجحة أن البناء في الجبل لم يتوقف بناءً على صور تظهر تحركات مركبات على الطرق المؤدية إلى المداخل الغربية.
وتأتي هذه التخوفات في ظل تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتدمير الموقع.
بعد توعده بالقضاء عليه ودعوته الإيرانيين إلى الاستعداد لضربه "في وقت قريب"، أثار إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عزمه تدمير ما يعرف بـ"جبل الفأس" في إيران، تساؤلات حول طبيعة هذا المجمع النووي الذي تصفه تقارير بأنه أحد أكثر المنشآت الإيرانية تحصيناً، بالتزامن مع عودة التصعيد العسكري وتبادل الضربات بين واشنطن وطهران منذ أيام.
ووفق تقارير عدة، فإن "جبل الفأس" الذي يُعرف بـ"بيكاكس ماونتن" بالإنجليزية، أو "كوه كولنغ غاز لا" بالفارسية، يتكون من مجمع أنفاق يقع داخل جبل على بعد نحو 1.6 كيلومتر تحت الأرض جنوب "منشأة نطنز" لتخصيب اليورانيوم، ويعتقد على نطاق واسع بأنه قد يمثل أحد أهم المواقع التي يمكن لطهران إعادة بناء برنامجها النووي من خلالها، بعد أن تعرضت كبرى مواقعها الرئيسة لضربات أميركية وإسرائيلية خلال حربي الـ12 يوماً العام الماضي، والـ40 يوماً الأخيرة.
وفي مقابلة مع برنامج "هيو هيويت" نشرت الإثنين، أعلن ترمب عزمه القضاء على "جبل بيكاكس"، قائلاً "أخبروا الإيرانيين أن يستعدوا"، مضيفاً "نحن نراقب ’جبل بيكاكس‘ عن كثب. لا نرى أي نشاط هناك. إنهم لا يحققون أي تقدم في برنامجهم النووي. في كل مرة نسمع فيها عن شيء هناك، نقوم بقصفه وتدميره. لذلك لم يعودوا يحبون الحديث عنه. لكن من المرجح أن نوجه ضربة إلى بيكاكس في وقت قريب نسبياً".
ماذا نعرف عن "جبل الفأس"؟
من بين مواقع ومنشآت نووية إيرانية عدة، توصف "منشأة جبل الفأس" النووية التي بدأ تشييدها عام 2020، بأنها "الأكثر تحصيناً" في إيران، إذ تقع في أعماق بعيدة، تقدر بنحو 1.6 كيلومتر تحت الأرض، ضمن سلسلة جبال زاغروس بمحافظة أصفهان، على بعد 90 ميلاً جنوب "فوردو"، وعلى مقربة من "منشأة نطنز" النووية (جنوب العاصمة طهران وسط إيران).
![]()
يعكس حجم وعمق منشأة "جبل الفأس" أنها ذات قدرة تخصيب كبيرة قد تضاهي أو تتجاوز المحطة المتضررة في "فوردو" (أ ف ب)
تفيد تقديرات استخباراتية وأمنية بأن المجمع يضم شبكة أنفاق محفورة على عمق يصل إلى 600 متر تحت طبقات من الغرانيت، مما يجعله أعمق من منشأة فوردو التي كانت تُعد سابقاً الأكثر تحصيناً، وقادراً على مقاومة أقوى القنابل الأميركية الخارقة للتحصينات مثل "جي بي يو-57" التي استُخدمت لتدمير مواقع إيرانية أخرى.
ويحوي المجمع أربعة مداخل أنفاق رئيسة، اثنان على الجانب الشرقي من الجبل، واثنان على الجانب الغربي، يبلغ عرض كل منها ستة أمتار وارتفاعها ثمانية، مما يعقد بصورة كبيرة أية محاولة لإغلاقه بالقصف الجوي.
وفي توضيح مدى تحصين الموقع، تقول صحيفة "تليغراف" البريطانية، أنه مكان مثالي لإخفاء اليورانيوم الإيراني المخصب، ولا سيما أن المنشأة تقع تحت جبل يبلغ ارتفاعه 1608 أمتار فوق مستوى سطح البحر، أي أعلى بأكثر من 50 في المئة من الجبل الذي يبلغ ارتفاعه 960 متراً والذي يضم "منشأة فوردو"، مما يوفر حماية معززة، وربما غرفاً تحت الأرض أكبر حجماً للعمليات النووية.
وفي تقرير سابق، قارن الباحث في "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات" رويل مارك غيريشت، بين منشأتي "فوردو" و"جبل الفأس" النوويتين، معتبراً أن حجم وعمق الأخيرة يعكسان أنها منشأة ذات قدرة تخصيب كبيرة قد تضاهي أو تتجاوز المحطة المتضررة في "فوردو"، إذ إن غرفه الجوفية تمتد إلى عمق أكبر ربما يتجاوز 100 متر تحت السطح، مقارنة بعمق "فوردو" الذي يراوح ما بين 80 و90 متراً، ومن ثم يمكن أن يقلل البناء الأعمق بصورة كبيرة من فاعلية القنابل الأميركية الخارقة للتحصينات المصممة لاختراق المنشآت تحت الأرض، معتبراً أن القنابل الأميركية الضخمة التي تزن 30 ألف رطل والتي استخدمت ضد "فوردو" قد تواجه صعوبة في الوصول إلى أهدافها المخبأة في "جبل الفأس"، فضلاً عن أن إضافة الأنفاق والمحيط الأمني حول هذه المنشأة يزيدان من تعقيد أية غارة "كوماندوز" تحاول تخريب المجمع.
"ملاذ بديل" لاستعادة طهران برنامجها النووي
وأمام حجم التحصين والتعقيد الهندسي الذي صممت عليه منشأة "جبل الفأس"، تشير تقديرات استخباراتية وغربية عدة إلى أن الموقع قد يكون منشأة سرية لتخصيب اليورانيوم تمثل "منطقة تأمين" للبرنامج النووي الإيراني، كما أنه المكان الأمثل لإخفاء وتكثيف إنتاج إيران من اليورانيوم المخصب، بعد تدمير غالبية المواقع والمنشآت النووية الأخرى جراء الضربات الأميركية والإسرائيلية عام 2025 والحرب الأخيرة العام الحالي.
وترجح التقديرات الاستخباراتية أن يكون هذا الموقع وجهة إيران لإعادة بناء برنامج أجهزة الطرد المركزي، بدءاً من إنتاج المكونات، مروراً بتجميع أجهزة الطرد المركزي، وصولاً إلى تخصيب اليورانيوم مستقبلاً.
وذكر موقع "المونيتور" الأميركي أن أجهزة الاستخبارات الغربية تشتبه في أن يكون الموقع "منشأة تخصيب إيرانية سرية"، مما يمكن طهران من استعادة تنشيط برنامجها النووي، وهو ما ترفضه إيران التي لم تعلن رسمياً طبيعة الأنشطة التي تجري داخله، معتبرة أن الموقع منذ بدء تشييده عام 2020 مخصص فقط لتجميع وتصنيع أجهزة الطرد المركزي المتطورة.
في الأثناء نقلت صحيفة "تلغراف" عن خبراء في البرنامج النووي الإيراني، أن الموقع قد يكون مخصصاً لنقل أجزاء حساسة من البرنامج النووي إلى منشآت أكثر عمقاً وحماية، مع احتمال استخدامه مستقبلاً في تخصيب اليورانيوم.
اقرأ المزيد- ظلال حول اليورانيوم الإيراني... من "فوردو" إلى "جبل الفأس"
- سعي أميركي لدفع إيران إلى الكشف عن مصير مواقعها النووية
- "هرمز" يخنق سواحل إيران
- اليورانيوم الإيراني... هل يمكن خفض التخصيب؟
وبحسب تحليل آخر نشره معهد العلوم والأمن الدولي ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، استناداً إلى صور أقمار اصطناعية، فإن استمرار العمل في "جبل الفأس" يهدف إلى توفير "بوليصة تأمين" لإيران، تمكنها من امتلاك منشأة نووية متقدمة البناء، مع إعادة بناء برنامج أجهزة الطرد المركزي، بدءاً من إنتاج المكونات، مروراً بتجميع أجهزة الطرد المركزي، وصولاً إلى تخصيب اليورانيوم مستقبلاً ، وقدّر التحليل بأن المجمع واسع بما يكفي لاستيعاب منشأة تخصيب كاملة، لكنه أوضح في الوقت ذاته أنه ليس جاهزاً للتشغيل بعد ولا توجد مؤشرات على أنه يعمل حالياً أو يحوي مخزوناً من اليورانيوم المخصب.
ويعتقد معهد العلوم والأمن الدولي بأن إيران قادرة على نشر آلاف أجهزة الطرد المركزي المتطورة سراً في مجمع الأنفاق الجديد في "جبل الفأس"، حيث يمكن أن تسمح هذه القدرة لإيران بمواصلة أنشطة التخصيب حتى في حال تدمير المنشآت المعروفة، مما يتوافق مع تقييمات استخباراتية أميركية تفيد بأن إيران تطبق استراتيجية توزيع لبرنامجها النووي، فتنشر قدراتها على مواقع متعددة لضمان بقائها في حال تعرضها لهجوم.
ومنذ أشهر، أبدت مراكز أبحاث غربية تخوفات من أن يكون الموقع معقلاً لأنشطة نووية حساسة، مشيرة إلى أن استمرار البناء في الجبل، حيث تظهر الصور حركة مركبات على الطرق المؤدية إلى المداخل الغربية، يُرجح أن العمل داخل الأنفاق لم يتوقف.
![]()
أعلن الرئيس ترمب عزمه القضاء على "جبل الفأس" في وقت قريب نسبياً (أ ف ب)
ولفت الموقع اهتمام المحللين منذ عام 2020 بعد أن أظهرت صور الأقمار الاصطناعية أعمال حفر وإنشاء أنفاق واسعة، بينما لم تعلن إيران رسمياً عن طبيعة المنشأة أو الغرض منها. كما لم يتمكن مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية من دخول الموقع، ولم تصفه الوكالة رسمياً بأنه منشأة نووية، مؤكدة أن عدم السماح لها بالوصول إليه يمنعها من التحقق من الأنشطة الجارية داخله.
وفي تصريحات سابقة ذكر المدير العام للوكالة رافائيل غروسي أن إيران رفضت حتى الآن منح مفتشيه حق الوصول إلى الموقع، مكتفية بالقول إنه "ليس من شأنهم"، غير أن غروسي أوضح أنه لا يمكن الجزم بوجود أنشطة نووية غير معلنة هناك، داعياً إيران إلى فتح المجال أمام الوكالة لمعاينة طبيعة الموقع.
وبحسب تقديرات عدة، فعلى رغم الحربين اللتين شنتهما أميركا وإسرائيل على إيران في 2025 والعام الحالي، فإن "جبل الفأس" لم يستهدف في المرتين على الاطلاق.
وخلال حرب الـ12 يوماً العام الماضي، تحديداً في الـ21 من يونيو (حزيران)، أعلن ترمب استهداف ثلاث منشآت نووية إيرانية هي فوردو ونطنز وأصفهان بضربات جوية "واسعة ودقيقة"، مؤكداً أنها دمرت بالكامل، ووصف العملية آنذاك بأنها "نجاح عسكري هائل"، لافتاً إلى أن منشأة فوردو كانت الهدف الأصعب والأكثر تحصيناً و"قد أُبيدت تماماً".
يُشار إلى أن المنشآت النووية في إيران تندرج ضمن أربعة فروع رئيسة وهي مراكز للبحث ومواقع خاصة للتخصيب ومفاعلات نووية ومناجم لليورانيوم، وبموجب الاتفاق النووي لعام 2015، وافقت طهران على الحد من تخصيب اليورانيوم إلى 3.67 في المئة، ولكن بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق خلال الولاية الأولى للرئيس دونالد ترمب عام 2018، بدأت إيران التخصيب بمستويات أعلى، لتصل في النهاية إلى مستوى 60 في المئة الذي يقترب من الحد الأقصى لتخصيب اليورانيوم اللازم لصنع الأسلحة النووية وهو 90 في المئة.
ويعتبر جبل الفأس من أكثر المنشآت الإيرانية تحصيناً، مما يثير تساؤلات حول مدى قدرة القنابل الأميركية على اختراقه. وتشير تقديرات إلى أن تدميره قد يتطلب عمليات معقدة، في ظل استمرار التوتر بين البلدين.
المصدر الأصلي: اندبندنت عربية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.