تستمر الهجمات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران بعد فشل الجهود لوقف إطلاق النار لمدة ستين يوماً، ومع تصاعد الضربات، تتجه كفة الأضرار بوضوح لصالح واشنطن؛ إذ تتلقى طهران ضربات قاسية دون أن ترد بفعالية، بينما تظل القوات الأمريكية بمنأى عن الخسائر. ويقتصر الرد الإيراني على استهداف دول خليجية لم تشارك في القتال.

وتأتي هذه التطورات في ظل توتر متصاعد بين البلدين منذ سنوات.

* *

مشكلة إيران أنها لا تقدِّر حجم قدراتها، ولا تعطي أهمية للقوة الأمريكية الضاربة، وبالتالي تكون مغامراتها غير محسوبة لما هو قادم من رد فعل قاتل سوف تقوم به أمريكا، ما جعل إيران تزيد من معاناتها اقتصادياً وأمنياً واجتماعياً، إلى انهيار شبه كامل في كل ما كانت تتمتع به من قوة ونفوذ.

* *

فالمفاعل النووي الذي تصر طهران على امتلاكه تعرض لأضرار بالغة دون أن تحقق تقدماً يذكر في برنامجها النووي. أما وكلاؤها في لبنان واليمن والعراق وسوريا فقد استنزفوا مواردها المالية والعسكرية، دون أن تتمكن من حمايتهم، وما بقي منهم في طريقه إلى الزوال. ويُعد هذان المثالان دليلاً على سوء التخطيط الإيراني ونظرة طهران القاصرة في خدمة شعبها، إذ تُبدد الأموال العامة في غير وجهتها الصحيحة.

* *

طهران الآن في مفترق الطرق، بين التمسك بسياساتها وأجنداتها، وفقاً لما هي عليه الآن، مع تحمّلها تبعات هذه السياسة المضرَّة بإيران، وبين بناء سياسة جديدة تقود البلاد نحو الأمن والازدهار، وبما يحقق لها الاستقرار، ويحسِّن وضعها الاقتصادي، وجودة الحياة لهذا الشعب الذي عانى ويعاني كثيراً منذ الثورة على شاه إيران.

* *

نحن نتحدث عن دولة مسلمة، لنا معها جوار، ومصالح مشتركة، وبيننا وبينها قطيعة أو شبه قطيعة، تجرّعنا منها المؤامرات، والتدخل في شؤوننا الداخلية، وحث بعض مواطنينا على العصيان، فيما لا مصلحة لها ولا هم فيما تغذيه من أفكار، وتلقنه من سياسات، بهدف إحداث البلبلة والفوضى والخروج على النظام العام.

* *

وقد آن الأوان لتتعلَّم إيران مما تمر به من ويلات، وأن يكون في سلوكها وما آلت سياساتها إليه دروس لها كي تأخذ الطريق الصحيح، والمنهج السليم، في تعاملها مع جيرانها، وفي تغليب مصلحتها ومصلحة جيرانها على ما يثير الخلافات والصراعات معها.

* *

تحتاج إيران إلى فهم واستيعاب لما يجري الآن لها، فهم يعتمد على تصحيح لأخطاء الماضي والحاضر، وبناء مستقبل أفضل لإيران، وتوديع غير مأسوف عليه للسياسة التي كانت تدار بها البلاد، صوناً للمصالح، وحماية للأنفس، وتهيئة لما هو آت في المستقبل من مشاريع تزدهر بها البلاد، وينعم بها الشعب، عوضاً عن حروب أكلت الأخضر واليابس، وقتلت ما قتلت من الناس في جرائم كان يمكن تجنبها.

يبدو أن إيران تدفع ثمن سياساتها الإقليمية التي امتدت لعقود، في وقت تعاني فيه من أزمات اقتصادية واجتماعية حادة. ومع استمرار الضربات الأمريكية، قد تضطر طهران إلى إعادة النظر في استراتيجياتها العسكرية والدبلوماسية، خاصة في ظل تراجع نفوذها في المنطقة.