الخطر الأسرع نمواً على الطائرات قد يكون في جيبك
باتت الهواتف المحمولة وبنوك الطاقة والسجائر الإلكترونية من أبرز المخاطر التي تهدد سلامة الطيران في العالم، في ظل ارتفاع وتيرة اشتعالها المفاجئ على متن الطائرات، مما يسفر عن إصابات بين المسافرين وإلغاء رحلات وتحويل مساراتها قسراً.
ويأتي هذا التحول في أولويات السلامة الجوية مع ازدياد اعتماد المسافرين على الأجهزة الإلكترونية المحمولة.
شهدت رحلة تابعة لشركة ألاسكا إيرلاينز مطلع العام الجاري حادثاً خطيراً بعدما اشتعل هاتف و"بنك طاقة" كانا بحوزة إحدى الراكبات بعد دقائق من الإقلاع، ما تسبب في إصابتها بحروق في الذراعين والساقين قبل أن يتمكن طاقم الضيافة من احتواء النيران داخل حقيبة مقاومة للحريق. وأعلن الطيارون حالة الطوارئ وعادوا بالطائرة إلى مطار ويتشيتا بعد إسقاط أقنعة الأكسجين داخل المقصورة.
أثار هذا الحادث قلقاً متزايداً في أوساط الطيران، حيث تؤكد شركات الطيران وهيئات التنظيم أن الأجهزة التي تعمل ببطاريات الليثيوم أيون أصبحت أسرع مصادر الخطر نمواً على الرحلات الجوية. فبطاريات الليثيوم هذه تظل عرضة للاشتعال إذا تعرضت لعطل أو حرارة زائدة، ويزيد الخطر مع ازدياد عدد الأجهزة الإلكترونية التي يحملها الركاب أثناء السفر، وفقاً لصحيفة "وول ستريت جورنال".
أكد الرئيس التنفيذي لمؤسسة "Flight Safety Foundation"، حسن شاهدي، أن عدد هذه الحوادث ارتفع بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، واصفاً الملف بأنه أحد أهم تحديات السلامة الجوية حالياً.
وأظهرت بيانات إدارة الطيران الفيدرالية الأميركية أن الحوادث المرتبطة ببطاريات الليثيوم تضاعفت أكثر من مرتين مقارنة بعام 2019، فيما تشير أرقام عام 2026 إلى إمكانية تجاوز الرقم القياسي المسجل العام الماضي، مع تسجيل نحو حادثتين مؤكدتين أسبوعياً منذ بداية العام.
هذه التطورات دفعت شركات طيران كبرى إلى تشديد القواعد المتعلقة باستخدام الأجهزة الإلكترونية داخل الطائرة قبل موسم السفر الصيفي. فشركات مثل أميركان إيرلاينز ودلتا وساوث ويست منعت وضع بنوك الطاقة في الخزائن العلوية، وفرضت قيوداً على استخدامها أثناء الرحلة. كما حذت حذوها لوفتهانزا الألمانية وكاثي باسيفيك وسنغافورة إيرلاينز.
وأطلقت هيئات تنظيم الطيران حول العالم حملات توعية للركاب وإرشادات جديدة لأطقم الطائرات بهدف الحد من مخاطر الحرائق داخل المقصورة. وقال جوناثان نيكلسون، المتحدث باسم هيئة الطيران المدني البريطانية، إن هذه المشكلة أصبحت من أكبر مخاطر السلامة الجوية عالمياً، محذراً من أن الحوادث البسيطة قد تتطور سريعاً إلى مواقف أكثر خطورة.
وسجلت بريطانيا أكثر من 100 حادثة سخونة مفرطة للأجهزة الإلكترونية خلال العام الماضي، بزيادة بلغت 98% مقارنة بعام 2024، وفق بيانات الجهات التنظيمية.
اكتسبت هذه المخاوف زخماً إضافياً بعد احتراق طائرة تابعة لشركة "إير بوسان" الكورية الجنوبية العام الماضي إثر اشتعال بنك طاقة داخل إحدى الخزائن العلوية، ما أسفر عن إصابة 27 شخصاً وتدمير الطائرة بالكامل. وأعقب الحادث فرض قيود جديدة شملت حظر السجائر الإلكترونية وبنوك الطاقة داخل الأمتعة المشحونة وتقييد استخدام البطاريات المحمولة على متن الرحلات.
ورغم نجاح أطقم الضيافة في إخماد معظم الحرائق بسرعة، فإن حوادث ارتفاع حرارة الأجهزة تتسبب بشكل متزايد في اضطرابات تشغيلية. وعادت في أبريل رحلة تابعة لـ"SAS" إلى مطار أبردين بعد اشتعال حاسوب محمول، فيما حُولت في مايو رحلة ليونايتد إيرلاينز كانت متجهة إلى نيوارك نحو لندن بعد احتراق بنك طاقة. كما شهدت رحلة للخطوط الجوية البريطانية إلى لاس فيغاس الشهر الماضي اشتعال هاتف محمول تسبب في أضرار بالمقصورة وأثار الذعر بين الركاب.
تنشأ هذه الحوادث عادة عندما تتعرض البطاريات للشحن الزائد أو التلف أو الأعطال الفنية، ما يؤدي إلى ما يعرف بـ"الانفلات الحراري"، وهي عملية ترتفع خلالها درجات الحرارة بسرعة وتتسبب في اشتعال البطارية تلقائياً.
وتفاقمت المشكلة مع تزايد عدد الأجهزة التي يحملها المسافرون، إذ تشير الجهات التنظيمية إلى أن الراكب الواحد يسافر حالياً في المتوسط مع أربعة إلى خمسة أجهزة إلكترونية. ويعني ذلك وجود أكثر من ألفي جهاز قابل للاشتعال على متن بعض الرحلات طويلة المدى عالية السعة.
وساهمت تغيرات سلوك المسافرين في زيادة المخاطر، إذ بات كثيرون يعتمدون على أجهزتهم الشخصية بدلاً من أنظمة الترفيه الموجودة على الطائرات، كما يستخدمون الهواتف في التنقل داخل المطارات وطلب الخدمات وحجز وسائل النقل بعد الوصول.
ودفعت المخاوف من نفاد البطارية إلى انتشار استخدام بنوك الطاقة، بالتزامن مع صعود استخدام السجائر الإلكترونية. ووفق قاعدة بيانات برنامج Thermal Runaway Incident Program، تسببت السجائر الإلكترونية في نحو 28% من حوادث السخونة المفرطة العام الماضي، بينما شكل كل من الهواتف المحمولة وبنوك الطاقة نحو خمس الحوادث المسجلة.
وقال مسؤول العمليات والسلامة والأمن في الاتحاد الدولي للنقل الجوي (IATA)، نيك كارين، إن انتشار بنوك الطاقة والسجائر الإلكترونية أدى عملياً إلى مضاعفة كمية بطاريات الليثيوم الموجودة على متن الطائرات، موضحاً أن الأمر لم يعد يقتصر على هاتف وحاسوب محمول لكل مسافر.
ولا تقتصر المخاطر على المقصورة، إذ تمثل الحرائق التي تندلع داخل عنابر الشحن تهديداً أكبر، لأن أطقم الطائرات لا تستطيع الوصول إليها أثناء الرحلة. ورغم تزويد الطائرات التجارية بأنظمة لإخماد الحرائق داخل مخازن الأمتعة، فإنها صُممت أساساً لإبطاء انتشار النيران وليس القضاء عليها بالكامل.
وأبرزت حادثة وقعت عام 2010 حجم الخطر، عندما تحطمت طائرة شحن تابعة لشركة UPS كانت تنقل أكثر من 80 ألف بطارية ليثيوم بعد اندلاع حريق في الشحنة، ما أدى خلال أربع دقائق فقط إلى تدمير أنظمة التحكم بالطائرة وحرمان الطيارين من السيطرة عليها.
وتواجه الرحلات التجارية مخاطر إضافية ناجمة عن وضع بطاريات الليثيوم داخل الأمتعة المشحونة بالمخالفة للتعليمات أو شحن أجهزة إلكترونية دون استخدام العبوات المقاومة للحريق المطلوبة.
وأظهرت بيانات برنامج Thermal Runaway Incident Program ارتفاع الحوادث داخل عنابر الشحن بنسبة 40% بين عامي 2021 و2025 في الولايات المتحدة. كما يُنقل نحو ربع الشحن الجوي الأميركي داخل الطائرات التجارية المخصصة للركاب، ما يعني أن المسافرين يتعرضون بصورة متكررة لمخاطر الشحنات المحتوية على بطاريات قابلة للاشتعال.
مادة إعلانية
مادة إعلانية
وعلى الرغم من نجاح أطقم الضيافة في التعامل مع معظم هذه الحرائق، فإن الحوادث تتزايد وتتسبب في اضطرابات تشغيلية متكررة. ويبدو أن مستقبل السفر الجوي سيشهد مزيداً من التشديد على قواعد حمل الأجهزة الإلكترونية واستخدامها، مع سعي الهيئات التنظيمية إلى مواكبة هذا التحدي المتنامي.
المصدر الأصلي: العربية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.