لا شيء يوازي قسوة أن يدرك المرء فجأة زوال العالم الذي قضى سنوات في كنفه، واختفاء اليقين الذي استمد منه معناه، وعجز المؤسسة الحاضنة عن تفسير أسباب تفككها.

تأتي هذه التحولات الفكرية والنفسية في سياق تراجع النفوذ التنظيمي وتآكل الأطر المؤسسية الكلاسيكية التي طالما سيطرت على المشهد الحركي لعقود طويلة.

ولعل هذا هو المدخل الأنسب لفهم اللحظة التي يعيشها أفراد جماعة الإخوان اليوم، فالقضية لم تعد قضية تنظيم سياسي يصعد أو يهبط، ولا صراعاً بين سلطة ومعارضة، وإنما أصبحت -في جانب منها- قضية إنسان فقد الإطار الذي كان يفسر به العالم. ولذلك فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم ليس «أين تذهب جماعة الإخوان؟»، فهذا سؤال سياسي تجاوزه الواقع، بل «أين يذهب الفرد الإخواني حين يكتشف أن الجماعة التي وعدته بمعنى كامل للوجود قد تحولت إلى خيال مآتة؟».

لقد كانت الجماعة، لعقود طويلة، أكثر من مجرد تنظيم. كانت وطناً صغيراً داخل الوطن، وهوية بديلة، ومنظومة مغلقة تقدم لأفرادها إجابات جاهزة عن كل سؤال، وتمنحهم شعوراً بالتفوق الديني، ورسالة تاريخية يعتقدون أنهم يحملونها، كان الإخواني يعيش داخل يوتوبيا زائفة، جماعة توفر له الأخ والمعلم والزوجة والوظيفة واليقين الأخروي بأنه من أهل الجنة، وحين تتفكك هذه اليوتوبيا، لا ينهار تنظيم فحسب، بل ينهار نظام كامل، يمتد أثره إلى البنية النفسية والاجتماعية لأفراده، وهنا تبدأ المرحلة التي يمكن وصفها بأنها مرحلة ما بعد الجماعة، وفيها لم يعد التنظيم هو مركز الجاذبية كما كان، ولم تعد القيادة تمتلك القدرة نفسها على إنتاج اليقين أو فرض الانضباط، بل ظهرت حالة من التشتت، وتحولت الكتلة الصلبة إلى وحدات صغيرة، لكل منها مسارها الخاص، ولكل فرد منها محاولته الخاصة للنجاة.
هذه اللحظة أنتجت ظاهرة يمكن تسميتها بالسيولة الفكرية.

إذ تجد المنظومة القائمة على المطلقات والسمع المطلق نفسها مجبرة على التعامل مع بيئة دولية ترفض هذه الشعارات، وتلزم الباحثين عن البقاء بمجاراة مفردات الديمقراطية وحقوق الإنسان.

هذا التمزق يتجسد بأوضح صوره في تحول «المناضل» إلى «موظف في شبكة هلامية». فالشاب الذي كان يحلم يوماً ب«الخلافة» ويؤمن بالحاكمية وجاهلية المجتمعات، ويظن أنه سيطبق شرع الله، يجد نفسه اليوم كاتب تقارير في منظمة معنية بحرية الصحافة، أو حقوق الإنسان، يتقاضى أجراً مقابل نص يكتبه بلغة تقنية باردة لا تشبه لغة الخطابة التي تربى عليها، هذا ليس مجرد تغيير مهنة، إنه عملية «تجريف» منهجية للروح الأيديولوجية، فقد استبدل الحلم الجمعي الكبير بمعيشة يومية صغيرة، واستبدل «المشروع» ب«الراتب». والأخطر أن هذا التجريف لا يحدث بوعي نقدي ومراجعة فكرية وإنسانية يعيد فيه الفرد النظر في مسلماته، بل يحدث باستسلام صامت، بحيث يظل الإطار الأيديولوجي القديم كامناً تحت سطح الوظيفة الجديدة، جاهزاً للانفجار في أي لحظة تُتاح فيها فرصة.

وليس المقصود هنا أن الأفراد غيروا قناعاتهم، وإنما وجدوا أنفسهم أمام معادلة معقدة ومتناقضة، هي كيف يحافظ الواحد فيهم على إرثه الفكري، وفي الوقت نفسه يجد لنفسه مكاناً في عالم لم يعد يستقبل الخطاب القديم؟

واللافت أن هذا التحول لم يكن دائماً انتقالاً هادئاً، بل صاحبه في كثير من الأحيان شعور عميق بالتمزق الداخلي، إذ وجد بعض الأفراد أنفسهم بين خطاب تربوا عليه سنوات طويلة، ومتطلبات واقع جديد لا يكافئ إلا المرونة والقدرة على التكيف.

ولا ينبغي النظر إلى هذا التحول باعتباره مجرد انتقال وظيفي، بل باعتباره انتقالاً في طبيعة الدور الاجتماعي ذاته، من الانتماء إلى مشروع كلي إلى أداء أدوار متفرقة داخل شبكات عابرة للحدود.

والسؤال الأهم ربما لا يتعلق بمستقبل التنظيم، وإنما بمستقبل هذه البقايا المتناثرة.

فالتنظيم المركزي، إذا فقد قدرته على الضبط والتوجيه، لا يعني بالضرورة انتهاء الظاهرة، بل قد تظهر أنماط جديدة من الفعالين يعملون بصورة أكثر استقلالاً، ويتحركون عبر شبكات مرنة، أو مبادرات صغيرة، أو فضاءات رقمية، دون وجود مركز واضح يجمعهم.

وهنا يصبح المشهد أكثر تعقيداً؛ لأن دراسة التنظيمات الهرمية تختلف عن دراسة الشبكات اللامركزية، كما أن أدوات التعامل مع كل منهما ليست واحدة.
إن مرحلة ما بعد الجماعة ليست مجرد نهاية لتنظيم، بل بداية لتحولات اجتماعية وفكرية تستحق الدراسة. وما نشهده اليوم قد لا يكون اختفاء للفكرة بقدر ما هو انتقال لها إلى صور جديدة، بعضها قد يذوب في المجتمع، وبعضها قد يعيد إنتاج نفسه في أشكال مختلفة.

وخلاصة القول إن الخطر القادم لا يكمن في «الإخوان» بوصفهم تنظيماً مركزياً، فهذا التنظيم قد مات هيكلياً وإن ظلت لافتته قائمة في بعض الأدبيات والخطابات، ولكن الخطر الحقيقي يكمن فيما تبقى من أفراد مبعثرين وهم بضعة آلاف، فقدوا مركزهم لكنهم لم يفقدوا حاجتهم النفسية العميقة إلى «العمل السري»، فيمارسونه اليوم بآليات مشوهة ومنفردة، خارج أي هرمية تنظيمية، هذه «الخلايا العشوائية»، التي لا تتبع مرجعية ولا تُسأل أمام قيادة، أخطر أمنياً وسياسياً من التنظيم المركزي القديم، لأن التنظيم مهما بلغت خطورته كان يمكن قراءته وتوقّع تحركاته، أما الفرد التائه بين إرث صلب وواقع رافض، فهو معادلة مفتوحة على كل الاحتمالات، أشدها فتكاً حين يصبح مستعداً للمراهنة على كل شيء، لأنه لم يعد يخشى أن يخسر شيئاً.

نقلاً عن الوطن

مادة إعلانية

مادة إعلانية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

يعكس هذا المسار الهشاشة البنيوية التي أصابت الحركات الأيديولوجية المغلقة عند اصطدامها بالمتغيرات الدولية والواقع المعاصر. ويمثل التحول من العمل الجماعي المنضبط إلى الفاعلية الفردية المشتتة تحولاً جذرياً في طبيعة الحركات ذات الخلفيات العقدية. ويبقى رصد هذه التغيرات النفسية والمجتمعية ضرورة لفهم مآلات الأفراد خارج الأطر التنظيمية التقليدية. كما تنذر هذه السيولة الفكرية بإعادة تشكيل أنماط الانتماء والولاء في البيئات السياسية المعاصرة دون وجود مركز توجيه موحد.