بقلم أحمد الشلفي

محرر الشؤون اليمنية في الجزيرة.

نُشر في 16 يوليو 202616 يوليو 2026

تصاعد الدخان بعد غارة جوية على مطار صنعاء في اليمن، 13 يوليو 2026، في لقطة شاشة مأخوذة من فيديو [مواد صحفية/المسيرة عبر رويترز]

في غضون أيام قليلة، بدا أن اليمن ينزلق من حالة خفض التصعيد الهشة ويعود إلى قلب التوترات الإقليمية.

لم تكن حادثة الطائرة الإيرانية التي دخلت المجال الجوي اليمني مجرد نزاع حول رحلة جوية. بل كشفت عن مدى تشابك الحرب في اليمن مع المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وأثارت سؤالاً قديماً بشكل جديد: هل يمكن لليمن أن يبقى خارج أي تصعيد إقليمي أوسع؟

محاولة الطائرة الإيرانية الهبوط في صنعاء، ثم استهداف مدرج المطار لمنعها من ذلك، وهبوطها في النهاية في الحديدة، فتحت نزاعاً يتجاوز بكثير الطيران المدني.

تعاملت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والسعودية مع الرحلة كاختبار للسيادة ولقدرة إيران على إقامة رابط مباشر مع المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين. بينما قدمها الحوثيون وطهران كمحاولة لكسر القيود المفروضة على صنعاء.

لذلك لم يكن رد الحوثيين ضد السعودية مفاجئاً تماماً. استهدافهم لمطار أبها رداً على الضربة على مطار صنعاء التي حالت دون هبوط الطائرة، كان أول هجوم يعلن الحوثيون مسؤوليتهم عنه على السعودية منذ بدء الهدنة غير الرسمية في مارس 2022.

لكن الهجوم ظل محدوداً حتى الآن، ولم ترد السعودية بحملة عسكرية شاملة. وهذا يشير إلى أنه رغم التصعيد المتزايد، لا يزال الطرفان يتصرفان بحسابات دقيقة.

في هذا السياق، ردت وزارة الخارجية الأمريكية على سؤال من قناة تلفزيونية حول تقارير تفيد بأن الرئيس دونالد ترامب أعطى السعودية الضوء الأخضر للتحرك ضد الحوثيين.

لم تؤكد واشنطن تلك التقارير صراحة. وقالت إنها تراقبها، ثم أكدت بحزم دعمها للسعودية في مواجهة ما وصفته بالعدوان الإيراني، بما في ذلك هجمات الحوثيين المدعومين من إيران.

الأهم من ذلك، ربطت وزارة الخارجية بشكل مباشر هجمات الحوثيين والتهديدات التي أطلقها الجماعة بالمصالح الأمريكية الأساسية في المنطقة، وفي مقدمتها حرية الملاحة في البحر الأحمر ومنع تصدير الإرهاب.

هذه اللغة لا تعني أن قراراً بالحرب قد اتُخذ. لكنها تشير إلى أن مكانة الحوثيين في الحسابات الأمريكية قد تغيرت.

لم يعد يُنظر إلى الجماعة كجهة يمنية فحسب، بل كجزء من شبكة النفوذ الإيرانية، القادرة على تهديد كل من السعودية والبحر الأحمر.

على هذه الخلفية، التقى رئيس هيئة الأركان العامة السعودي الفريق أول فياض الرويلي بالفريق باتريك فرانك، نائب قائد القيادة المركزية الأمريكية.

أشار الإعلان الرسمي إلى تطوير التعاون العسكري ولم يذكر اليمن. لكن توقيت اللقاء يمنحه أهمية إضافية. فقد جاء بعد الهجوم على السعودية وأزمة الطائرة الإيرانية وفي خضم تصعيد مستمر بين الولايات المتحدة وإيران.

لا يمكن إذن فصل الوضع عن التوترات الإقليمية الأوسع. إيران تحت ضغط مباشر في مواجهتها مع الولايات المتحدة، ومضيق هرمز يقع في قلب تلك التوترات، بينما يظل باب المندب، المضيق الضيق الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن وهو شريان تجاري حيوي بين أوروبا وآسيا، أحد أكثر مصادر النفوذ حساسية في المنطقة.

إذا اتسعت المواجهة، فسيكون الحوثيون من بين حلفاء إيران الأكثر قدرة على فتح جبهة ضغط أخرى.

وهذا ما يعطي للتحركات العسكرية في مأرب والجوف وحرف سفيان وغيرها من مناطق اليمن أهميتها.

لا توجد أدلة كافية بعد على أن قراراً بشن حرب برية كبرى قد اتخذ. لكن القوات توضع في حالة تأهب قصوى وتُحشد عبر عدة جبهات في لحظة بالغة الحساسية. مع اشتداد التصعيد الإقليمي، يصبح أي صراع داخلي أكثر احتمالاً للتوسع.

في الاتجاه المعاكس، سافر المبعوث الخاص للأمم المتحدة هانس غروندبرغ إلى مسقط، حيث التقى مسؤولين عمانيين ومحمد عبد السلام، رئيس وفد الحوثيين المفاوض.

يبدو أن مهمته الأساسية الآن ليست إطلاق تسوية شاملة، بل منع هذه الجولة من التصعيد من التحول إلى حرب جديدة.

من المرجح أن يكون خفض التصعيد، والهجوم على السعودية، والرحلات الإيرانية، والقواعد المنظمة لاستخدام مطار صنعاء، في صلب المناقشات الحالية، حتى لو لم تُعلن تفاصيلها. قد تنجح تلك الجهود، وقد لا تنجح.

يبقى الهدوء السيناريو الأكثر احتمالاً على المدى القصير. لا تبدو السعودية حريصة على العودة السريعة إلى حرب واسعة، بينما يدرك الحوثيون أن المواجهة المفتوحة مع المملكة، بالتزامن مع حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، قد تعرضهم لمستوى مختلف تماماً من الضغوط.

لذلك قد تظل الردود متزنة. قد يتوقف التصعيد عند نقطة معينة، وقد تنجح مسقط في إعادة الطرفين نحو ضبط النفس. لكن ذلك لا يعني أن الأسباب العميقة للمواجهة قد اختفت.

كشفت حادثة الطائرة الإيرانية عن هشاشة خفض التصعيد الحالي. استهداف مطار أبها أعاد فتح الجبهة السعودية. كما أصبح الموقف الأمريكي أكثر وضوحاً في ربط الحوثيين بإيران وبالأمن في البحر الأحمر.

في الوقت نفسه، تشير التحركات العسكرية على الأرض إلى أن الأطراف لا تتصرف كما لو أن تسوية وشيكة.

لهذه الأسباب، أعتقد أن المواجهة قد أُرجئت، لا أُلغيت. أي توسع في الصراع الإقليمي سيجعل إبقاء اليمن خارجه أمراً أكثر صعوبة.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري للجزيرة.