تحول الناقل الوطني اليمني إلى أداة في الصراع تخدم الأجندة الإيرانية
"مطار صنعاء" بين المبادرات الحكومية وتعنت الميليشيا الحوثية
تحول الناقل الوطني اليمني إلى أداة في الصراع تخدم الأجندة الإيرانية
تفاقم معاناة آلاف المسافرين
توظيف المطار كورقة ضغط سياسية
استعداد حكومي لإعادة تشغيل الرحلات
لم يعد ملف مطار صنعاء مجرد قضية تتعلق بتشغيل الرحلات المدنية أو تسهيل حركة السفر أمام اليمنيين، بل أصبح أحد أكثر الملفات ارتباطاً بالصراع السياسي والعسكري الذي تشهده البلاد، بعد أن تحول المطار من مرفق سيادي مخصص لخدمة المواطنين إلى ورقة ضغط تستخدمها المليشيات الحوثية في إدارة الصراع، وفق ما تؤكد الحكومة اليمنية الشرعية التي تتهم المليشيا الحوثية ،بتعطيل كل المبادرات الرامية إلى إعادة تشغيل الرحلات المدنية عبر الناقل الوطني، وإقحام قطاع الطيران في حسابات تتجاوز البعد الإنساني لتصل إلى خدمة أجندات إقليمية.
وخلال السنوات الماضية، ظل ملف مطار صنعاء حاضراً في مختلف جولات المشاورات السياسية والجهود الدولية، باعتباره أحد الملفات الإنسانية التي تمس ملايين اليمنيين، وفي مقدمتهم المرضى والطلاب والمغتربون. إلا أن الحكومة اليمنية ترى أن الجهود التي بذلت لإبقاء المطار مفتوحاً أمام الرحلات المدنية اصطدمت برفض متكرر من الجانب الحوثي، التي اتخذت ـ سلسلة من الإجراءات الأحادية عطلت عمل شركة الخطوط الجوية اليمنية وأوقفت تشغيل رحلاتها بصورة طبيعية.
وتؤكد الحكومة اليمنية أن المبادرات التي قدمتها خلال الفترة الماضية لم تكن تستهدف تحقيق مكاسب سياسية، وإنما هدفت إلى تخفيف معاناة المواطنين وضمان استمرار حركة السفر من وإلى المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، عبر تشغيل الرحلات بواسطة شركة الخطوط الجوية اليمنية باعتبارها الناقل الوطني الرسمي للدولة، وبما ينسجم مع القوانين المنظمة للطيران المدني ويحافظ على مؤسسات الدولة بعيداً عن التجاذبات العسكرية.
مبادرات حكومية قوبلت بالرفض
فقد قدمت الحكومة الشرعية أكثر من مبادرة لضمان استمرار الرحلات المدنية عبر مطار صنعاء، كان أبرزها تشغيل الرحلات المنتظمة بين صنعاء والعاصمة الأردنية عمان، مع الاستعداد لتوسيع الرحلات إلى وجهات أخرى يتم الاتفاق عليها، بما يحقق مصلحة المواطنين ويخفف من الأعباء الإنسانية الناتجة عن سنوات الحرب.
وتشير الحكومة إلى أنها التزمت منذ البداية بالحفاظ على استمرارية عمل الخطوط الجوية اليمنية وعدم حرمان المواطنين من خدماتها، إدراكاً منها للدور الحيوي الذي تؤديه الشركة باعتبارها إحدى أهم المؤسسات الوطنية التي تمثل اليمن في قطاع النقل الجوي.
غير أن هذه المبادرات،التي تقدمها الحكومة الشرعية، واجهت رفضاً متكرراً من قبل المليشيات الحوثية، التي أصرت على اتخاذ إجراءات منفردة عطلت حركة الطيران عبر مطار صنعاء، وأعاقت تشغيل رحلات الخطوط الجوية اليمنية، الأمر الذي أدى إلى تفاقم معاناة آلاف المسافرين، خصوصاً المرضى المحتاجين للعلاج في الخارج، والطلاب، وأصحاب الأعمال، والأسر التي تعتمد على السفر لأسباب إنسانية.
وترى الحكومة أن تعطيل الرحلات لم يكن نتيجة عوائق فنية أو تشغيلية، وإنما جاء نتيجة قرارات اتخذتها المليشيات الحوثية، التي فضلت توظيف المطار كورقة ضغط سياسية بدلاً من الإبقاء عليه مرفقاً مدنياً يخدم جميع اليمنيين.
الناقل الوطني في مواجهة محاولات الإقصاء
وفي قلب هذا الملف تبرز شركة الخطوط الجوية اليمنية بوصفها الطرف الأكثر تضرراً من الأزمة، إذ تؤكد الحكومة أن المليشيات الحوثية سعت إلى تعطيل دور الشركة وإضعاف حضورها داخل مطار صنعاء، في إطار مساعٍ لإحلال شركة "ماهان" الإيرانية محل الناقل الوطني في تشغيل الرحلات بين صنعاء وطهران.
وتعتبر الحكومة أن هذه الخطوة تتجاوز البعد التجاري أو التشغيلي، إذ تمثل تحولاً سياسياً يعكس محاولة نقل إدارة أحد أهم المنافذ السيادية إلى شركة أجنبية ارتبط اسمها بملفات أمنية وعقوبات دولية، الأمر الذي يثير مخاوف من استخدام قطاع الطيران المدني لخدمة أهداف لا تمت بصلة إلى احتياجات المواطنين اليمنيين.
وتتهم الحكومة الحوثيين بالسعي إلى خنق الناقل الوطني وإضعافه، في وقت يفترض أن يكون الحفاظ على الخطوط الجوية اليمنية أولوية وطنية، كونها المؤسسة التي ظلت تمثل اليمن في مجال الطيران المدني طوال العقود الماضية، وتقدم خدماتها لجميع المواطنين دون تمييز.
إعادة تشغيل الرحلات
وسط تعنت المليشيا الحوثية، تؤكد الحكومة، أنها لا تزال متمسكة بإعادة تشغيل الرحلات التجارية عبر مطار صنعاء، وأن شركة الخطوط الجوية اليمنية على أتم الاستعداد لاستئناف رحلاتها إلى العاصمة الأردنية عمان، وإلى أي وجهات أخرى يتم الاتفاق عليها، فور توافر الضمانات التي تكفل حماية الطائرات وأطقمها، ومنع أي تدخل في شؤون الشركة أو عملياتها الملاحية.
وتشدد الحكومة الشرعية على أن توفير بيئة آمنة ومستقرة للطيران المدني يمثل شرطاً أساسياً لاستمرار الرحلات، خصوصاً في ظل ما تعرضت له الشركة خلال الفترة الماضية من تدخلات وإجراءات أثرت بصورة مباشرة على قدرتها التشغيلية، وألحقت بها خسائر كبيرة.
ومن هذا المنطلق، ترى الحكومة أن إعادة تشغيل مطار صنعاء يجب أن تتم وفق الأطر القانونية المعترف بها دولياً، ومن خلال الناقل الوطني، بعيداً عن أي محاولات لتسييس المطار أو توظيفه في خدمة مشاريع إقليمية أو عسكرية، بما يضمن الحفاظ على سلامة الملاحة الجوية وحقوق المسافرين، ويعيد للمطار دوره الطبيعي بوصفه منفذاً مدنياً يخدم جميع أبناء اليمن.
خسائر الناقل الوطني
لا تقف تداعيات الأزمة عند حدود تعطيل الرحلات المدنية، بل تمتد إلى ما تصفه الحكومة اليمنية بأنه استهداف مباشر للناقل الوطني وأصوله التشغيلية، بعد أن تعرضت شركة الخطوط الجوية اليمنية لسلسلة من الإجراءات التي أضعفت قدرتها على الاستمرار في أداء دورها، وأثرت بصورة مباشرة على حركة النقل الجوي من وإلى مطار صنعاء.
وتؤكد الحكومة اليمنية أن المليشيات الحوثية المدعومة من أيران ، اختطفت أربع طائرات تابعة لشركة الخطوط الجوية اليمنية خلال عام 2024، ومنعتها من الإقلاع من مطار صنعاء، في خطوة اعتبرتها انتهاكاً لحقوق الشركة واعتداءً على مؤسسة وطنية يفترض أن تبقى بعيدة عن الصراع السياسي والعسكري.
وتؤكد الحكومة، فإنها تعاملت مع الأزمة من منطلق الحفاظ على استمرارية الشركة وضمان عدم توقف خدماتها، حيث وافقت على تخصيص تلك الطائرات لتسيير الرحلات بين صنعاء والعاصمة الأردنية عمان، بما يضمن استمرار خدمة المواطنين وعدم تعريض الشركة لخسائر أكبر، ويؤكد حرصها على استمرار الرحلات المدنية رغم التعقيدات القائمة.
إلا أن هذه الترتيبات، لم تمنع استمرار الإجراءات التي عطلت عمل الشركة، وأبقت حركة الطيران رهينة للقرارات الأحادية التي اتخذتها المليشيات الحوثية، الأمر الذي انعكس على آلاف المسافرين الذين وجدوا أنفسهم أمام خيارات محدودة للسفر والعلاج والدراسة.
خسائر الحرب وتداعيات الأجندات الإقليمية
وترى الحكومة أن ما تعرضت له الخطوط الجوية اليمنية لم يكن معزولاً عن مجمل التطورات العسكرية والسياسية التي شهدتها البلاد، مؤكدة أن إقحام اليمن في صراعات إقليمية لخدمة أجندات خارجية أدى إلى تحميل مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها قطاع الطيران المدني، أثماناً باهظة.
وفي هذا السياق، تشير الحكومة إلى تعرض أربع طائرات تابعة للخطوط الجوية اليمنية للقصف داخل مطار صنعاء في وضح النهار، معتبرة أن المليشيات لم تتخذ الإجراءات اللازمة لإخلاء الطائرات رغم توفر الوقت الكافي لذلك، وهو ما أدى إلى تدميرها وإلحاق خسائر كبيرة بالشركة.
وتعتبر الحكومة أن هذه الخسائر تمثل مثالاً على النتائج التي ترتبت على تحويل المنشآت المدنية إلى جزء من الصراع، مؤكدة أن استمرار هذا النهج يهدد مستقبل قطاع الطيران المدني، ويقوض قدرة الناقل الوطني على استعادة نشاطه الطبيعي حتى بعد انتهاء الأزمة.
رحلة "ماهان".. والشبهات
وتتصدر شركة "ماهان" الإيرانية واجهة الجدل في هذا الملف، بعد أن برز اسمها عقب نقل وفد المليشيات الحوثية من صنعاء إلى طهران، ثم طلب تسيير رحلة لإعادة الوفد إلى اليمن.
وتؤكد الحكومة اليمنية أن إيران تقدمت، عبر قيادة تحالف دعم الشرعية في اليمن، بطلب لتسيير رحلة تابعة لشركة "ماهان" من طهران إلى صنعاء لإعادة وفد المليشيات الحوثية، معتبرة أن هذه الخطوة جاءت في محاولة لمعالجة الإجراءات غير القانونية التي رافقت نقل الوفد إلى إيران، والتي تمت وفق مخالفة صريحة للقانون الدولي ولقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.
وتشير الحكومة إلى أن الرحلة الأولى التي نقلت الوفد الحوثي إلى إيران أثارت العديد من علامات الاستفهام، ليس فقط بسبب طبيعة الشركة الناقلة، وإنما أيضاً بسبب الملابسات التي صاحبت مسار الرحلة وسلوك الطائرة أثناء عبورها الأجواء اليمنية.
لماذا رفضت الحكومة رحلة العودة؟
وتؤكد الحكومة الشرعية اليمنية أن رفضها السماح بعودة الوفد الحوثي على متن طائرة تابعة لشركة "ماهان" الإيرانية لم يكن قراراً سياسياً فحسب، بل استند إلى اعتبارات قانونية وأمنية مرتبطة بسجل الشركة وطبيعة نشاطها خلال السنوات الماضية.
وتشير إلى أن شركة "ماهان" ارتبط اسمها بعقوبات دولية بسبب اتهامات تتعلق بتقديم دعم لوجستي للحرس الثوري الإيراني، وهو ما يجعل التعامل معها محل حساسية في ظل الالتزامات الدولية والقرارات الصادرة عن مجلس الأمن.
وتضيف أن التحفظات لم تقتصر على الخلفية القانونية للشركة، بل امتدت إلى السلوك الذي رافق رحلتها إلى إيران، حيث تؤكد الحكومة أن الطائرة قامت بقطع إشارات التتبع الخاصة بها بصورة متكررة أثناء عبورها الأجواء اليمنية، وهو تصرف تعتبره مؤشراً يثير الشكوك حول طبيعة المهمة التي كانت تنفذها الرحلة.
وتذهب الحكومة إلى أبعد من ذلك، إذ تؤكد أن الرحلة لم تقتصر على نقل الوفد الحوثي، وإنما حملت أيضاً عناصر من الحرس الثوري الإيراني وحزب الله، إضافة إلى معدات عسكرية وأسلحة وأجهزة اتصالات، بهدف تعزيز قدرات المليشيات الحوثية، وهو ما تعتبره خرقاً واضحاً وصريحاً لقرارات مجلس الأمن الدولي المتعلقة باليمن.
بين الاعتبارات الإنسانية والاعتبارات الأمنية
وتؤكد الحكومة اليمنية أن موقفها من تشغيل الرحلات الجوية لا يستهدف حرمان المواطنين من السفر أو تعطيل حركة الطيران، وإنما يهدف إلى الفصل بين الرحلات المدنية المشروعة وبين أي استخدام للمطارات أو شركات الطيران في أنشطة تتعارض مع القوانين الدولية أو تمس أمن اليمن والمنطقة.
وترى أن استمرار تشغيل مطار صنعاء ينبغي أن يتم من خلال الناقل الوطني اليمني ووفق ضوابط الطيران المدني المعترف بها دولياً، بما يضمن سلامة الرحلات، ويحافظ على استقلالية المؤسسات الوطنية، ويمنع تحويل المرافق المدنية إلى أدوات لخدمة الصراعات الإقليمية أو تمرير أنشطة ذات طبيعة عسكرية أو أمنية.
الطائرة الإيرانية المخالفة للقانون الدولي وصلت مطار صنعاء
المصدر الأصلي: الرياض
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.