“يشرفني دعوتكم لحضور حفل زواجي...”
“يشرفني دعوتكم لحضور حفل زواجي...”
محمد السراجي
تاريخ النشر: 19 يوليو 2026 11:21 KSA

AA
ما أول ما سيتبادر إلى أذهانكم؟
ستفرحون، وستجهزون أنفسكم للحضور، وربما يفكر أحدكم في الهدية المناسبة، وآخر يسأل عن موقع القاعة، وثالث يرتب وقته ليكون أول المهنئين. لكن... انتظروا قليلاً.
تخيلوا أنني، قبل موعد الزواج بأيام، بدأت أتلقى الاتصالات: “لا تنسَ أن فلانًا سيأتي بمقلاط”. “والقبيلة الفلانية أعلنت حضورها”. “وزملاء العمل يجمعون قطة”. “وأصدقاؤك يريدون أن يكون دخولهم مختلفًا”. وفجأة... لم يعد حديث الناس عن الزواج، ولا عن العروس، ولا عن الدعاء بالتوفيق. أصبح الحديث كله عن المقاليط. كم عددها؟ كم مبلغها؟ ومن سيدخل أولًا؟ ومن ستكون كلمته أطول؟ ومن سيُبهر الحضور أكثر؟ هنا سأطرح سؤالًا بسيطًا: هل أصبح الزواج مناسبة لإشهار النكاح... أم ساحةً لاستعراض المقاليط؟ في السنوات الأخيرة، تحولت هذه العادة من مبادرة اجتماعية جميلة إلى ظاهرة تستحق التوقف عندها. يجتمع عدد من الأقارب أو الأصدقاء أو زملاء العمل، ويجمعون مبلغًا ماليًا، وقد يكون المبلغ اختياريًا، لكنه في أحيان كثيرة يكون إلزاميًا أو شبه إلزامي، حتى إن بعضهم يدفع وهو لا يملك، فقط حتى لا يُلام أو يُقال إنه تخلف عن الجماعة. ثم تُحدد نقطة تجمع، ويُختار متحدث رسمي، ويتجه الجميع إلى قاعة الزواج في موكب يحرص على لفت الأنظار، وقد يصاحبه إطلاق البارود أو الهتافات. وعند الوصول... يتوقف كل شيء. ينتظر الضيوف. ويقف كبار السن. ويتأخر الناس عن السلام على العريس. بينما يبدأ المتحدث الرسمي بكلمة طويلة، يعلن فيها قيمة العانية أمام الجميع، ويُكثر من المدح والثناء، ثم يرد أهل العريس بكلمة مماثلة، وربما امتد المشهد إلى محاورة شعرية. وقد يتكرر هذا المشهد خمس أو ست مرات في ليلة واحدة. فمن المستفيد؟ العريس الذي يقضي جزءًا كبيرًا من ليلته واقفًا يستقبل الكلمات؟ أم الضيف الذي جاء للمباركة ثم غادر دون أن يجد فرصة للسلام؟ أم ذلك الموظف البسيط الذي استدان ألف ريال لأنه لا يستطيع الاعتذار عن “القطة”؟ إن التكافل قيمة عظيمة، ومساعدة العريس عمل نبيل، لكن التكافل لا يحتاج إلى منصة، ولا إلى مكبر صوت، ولا إلى إعلان المبلغ أمام الناس، ولا إلى استعراضٍ قد يتحول مع الأيام إلى منافسة بين القبائل والعائلات: من أكثر عددًا؟ ومن أكبر مبلغًا؟ ومن أبلغ كلمة؟ والأخطر أن هذه الظاهرة بدأت تُغذي روح التفاخر والاصطفاف القبلي، حتى أصبح بعض الشباب يرى أن نجاح الزواج يُقاس بعدد المقاليط، لا ببركته. ثم نتساءل بعد ذلك: لماذا ارتفعت تكاليف الزواج؟ ولماذا يعزف الشباب عنه؟ المهور مرتفعة. وقصور الأفراح مرتفعة. والذبائح مرتفعة. والهدايا مرتفعة. ثم أضف إليها المقاليط، وما يصاحبها من التزامات ومجاملات لا تنتهي. إن مراجعة هذه العادة ليست حربًا على الكرم، بل دفاعًا عنه. فالكرم الحقيقي لا يحتاج إلى استعراض، والمساعدة الصادقة لا تحتاج إلى تصفيق، والفرح الحقيقي لا يقاس بطول الكلمات ولا بضخامة المواكب. نحن بحاجة إلى أن تعود الأعراس كما كانت... فرحًا بسيطًا، ودعاءً صادقًا، ووجوهًا مبتسمة، لا سباقًا في المظاهر ولا منافسةً في الاستعراض. ولعل المسؤولية اليوم تقع على شيوخ القبائل، والأعيان، وأصحاب الرأي، وكل من له كلمة مسموعة، لوضع ضوابط تعيد للأعراس هيبتها، وتخفف عن الشباب ما أثقل كواهلهم. فليس كل عادةٍ موروثة تستحق أن تستمر... ولا كل عادةٍ جديدة تستحق أن تتحول إلى عرف.
المصدر الأصلي: المدينة
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.