قراءة في أزمات المنتخب السعودي وأسباب غياب البطولات وثغرات منظومة الاحتراف
يستعرض تحليل رياضي أسباب تعثر المنتخب السعودي في البطولات خلال العقود الأخيرة، مسلطاً الضوء على انعكاسات عقود الاحتراف المحلي ومقارنتها بتجارب دول أخرى.
إن خروج المنتخب السعودي من دور المجموعات في مونديال 2026، وعجزه عن تحقيق الفوز أمام الرأس الأخضر، يعد أمراً متوقعاً بالنظر إلى صمود منافسين كبار أمامه كالأرجنتين وإسبانيا والأوروغواي، ومع استبعاد الحلول المؤقتة كاستقالات المسؤولين التي لا تقدم تفسيراً حقيقياً لغياب الألقاب طوال 30 عاماً، تبرز الحاجة إلى قراءة موضوعية ومنصفة للأوضاع الحالية.
تأتي هذه النقاشات وسط مطالبات مستمرة بإصلاح هيكلي شامل لقطاع كرة القدم في المملكة لضمان تنافسية المستويات القارية والعالمية.
لا يمكن تحميل رئيس الاتحاد ياسر المسحل وفريقه مسؤولية الإخفاقات السابقة على فترة توليهم، إذ تعود جذور التراجع إلى انطلاق عقود الاحتراف في 1993 وما رافقها من إخفاء لعيوب اللاعبين المحليين، حيث أسهم حضور النجوم الأجانب في تغطية العجز الفني والبدني، وهو ما انكشف بوضوح في المشاركات الخارجية وغيابهم عن التشكيلة، تماشياً مع ما أشار إليه المدرب الأسبق روبرتو مانشيني في لقائه مع صحيفة الرياضية السعودية يوم 8 أبريل 2025 بأن اللاعبين يفتقرون لأباسيط اللعبة، وهو تقييم دقيق يلمسه كل متابع لمباريات المنتخب.
الدليل العلمي على ذلك، تناولته دراسة بريطانية نشرت عام 2020، بمجلة العلوم الرياضية، وسجلت فيه تأخراً فنياً واضحاً، وبطئاً في الاستشفاء العضلي اللحظي، عند اللاعبين المؤسسين في المدارس الأستاتيكية، كلاعبي المنتخب، مقارنة بنظرائهم في المدارس الديناميكية عالية الحدة، وهذا يظهر في الإجهاد العضلي والقرارات العشوائية للاعب المحلي، أمام السرعات العالية والاندفاع البدني لنجوم المنتخبات الأوروبية واللاتينية، وأكدت دراسة فرنسية تم نشرها في 2022، بمجلة الإدارة الرياضية الدولية، أن التفاعل المفرط على منصات السوشال ميديا، وبالأخص مع اللاعبين في الدوريات المحلية، ممن يصرف عليهم مبالغ ضخمة، يعطيهم إحساساً متوهماً بالنجاح، ويفقدهم الدافع للقيام بمجهود أكبر داخل الملعب بنسبة 30 %، وفي المقابل لاعبو منظومات التصدير كالمغرب والسنغال ممن يتدربون ويعيشون في بيئات صعبة، ويجبرون على تطوير مهاراتهم بشكل يومي، للحصول على فرصة في الاحتراف الخارجي، ترفع من مستواهم الكروي وقيمتهم السوقية.
عند مقارنة مخرجات الاحتراف الحالي بفترة الهواة في الثمانينات والتسعات التي شهدت تتويج المملكة بكأس أمم آسيا مرتين في 1984 بقيادة المدرب الوطني خليل الزياني وفي 1988، إضافة لكأس العالم للناشئين في 1989 وفك عقدة كأس الخليج في 1994 مع المدرب محمد الخراشي، بميزانية زهيدة لا تتجاوز مليوناً و800 ألف دولار أو ما يعادل نحو ستة ملايين و700 ألف ريال موثقة في تقارير رعاية الشباب آنذاك، نجد أن تلك الميزانية التاريخية لا تمثل سوى اثنين من عشرة في المئة من ميزانية اتحاد كرة القدم لعام 2026 البالغة 693 مليوناً و66 ألف دولار أو مليارين و599 مليون ريال وفقاً لما نشرته صحيفة الشرق الأوسط في 4 مايو الماضي، ورغم هذه الضخامة المالية لم يظهر لها أثر إيجابي على أرض الملعب.
الإنفاق المبالغ فيه لا يتوقف عند ميزانيات الأندية، وإنما يصل إلى إفساد اللاعب السعودي بالرواتب المليونية والإعلانات، قبل أن يقدم منجزاً حقيقياً مع منتخب بلاده، ولدرجة أنها تحولت لمخدر موضعي أثر في رغبته على المنافسة والإنجاز، بينما نجد أن استثماراً ذكياً مثل أكاديمية محمد السادس في المغرب، والتي أسست في 2010، وبميزانية لا تزيد على 16 مليوناً و800 ألف دولار، خرّجت نجوماً يتم تسويقها بأرقام ضخمة، ومن بينهم، أشرف حكيمي، الذي وصلت قيمته السوقية ل 85 مليوناً و600 ألف دولار، في حين تقدر قيمة كل لاعبي المنتخب السعودي الأول لكرة القدم بنحو 38 مليوناً و325 ألف دولار، بمعنى أن قيمته السوقية منفرداً تتجاوز المنتخب بأكمله وبما نسبته 223 %، والسبب تأسيسه الفني والبدني واحترافه المبكر في الملاعب الأوروبية.
المهم في الوقت الحالي، هو إنقاذ الموقف قبل كأس آسيا 2027، ومونديال 2034، وذلك عن طريق العودة لخيار المدرب الوطني، وإعادة الكابتن سعد الشهري وتكليفه بتدريب المنتخب الأول، بالنظر لإنجازاته وخبرته مع منتخبي الناشئين والشباب طوال تسعة أعوام، وللعلم سبعة من مدربي المنتخبات العشرة الكبار في تصنيف الفيفا، أو ما نسبته 70 %، هم مدربون وطنيون، وفق أرقام يونيو 2026، والمنتخبات الفائزة بكأس العالم ما بين عامي 2006 و2026 كانت بقيادة مدربين من بلدانها، ولا بد من استبدال كامل لاعبي المنتخب الحالي دون تردد، كمرحلة مؤقتة، باستثناء مصعب الجوير لأنه الأفضل في مركز خط الوسط، وبعمر 23 عاماً، ونسبة تمريراته الحاسمة دولياً 78 %، وهو الأعلى رقمياً بين اللاعبين المحليين، طبقاً لموقع تاريخ وإحصاءات المنتخب السعودي، وتجهيز منتخب متوسط أعماره 21 عاماً، كإسعاف أولي، ومن ثم الانتقال للحلول الدائمة بإطلاق برنامج للابتعاث الخارجي الإجباري للاعبين الواعدين، ممن تترواح أعمارهم ما بين 16 و20 عاماً، للاحتراف واللعب الفعلي في الأندية الأوروبية المتوسطة، وبتمويل حكومي كامل، لتمكينهم من تعلم أساسيات اللعب برتم سريع وقوي، والعمل على تحديد سقف لعقود ورواتب اللاعبين دون 23 عاماً، في الدوري المحلي، حده الأعلى مليون ريال أو 375 ألف دولار، لإجبارهم على الخروج من منطقة الراحة، والقبول بالاحتراف الخارجي، لتطوير مستواهم البدني والفني، بالإضافة لخصخصة قطاعات الفئات السنية، وفصلها مادياً وإدارياً عن الفريق الأول بالنادي، وإسناد تشغيلها لشركات وأكاديميات عالمية من نوع أياكس وبنفيكا، لضمان بناء جيل يعيد للمنتخب هيبته القديمة بأقل تقدير.
نقلا عن "الرياض"
مادة إعلانية
مادة إعلانية
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
تتطلب المرحلة المقبلة استراتيجيات دقيقة ومدروسة لإنقاذ مستقبل الكرة السعودية قبل الاستحقاقات القارية والدولية القادمة مثل كأس آسيا 2027 ومونديال 2034. وتبرز الحلول المقترحة في العودة للكوادر الوطنية وتحديد سقوف للرواتب ودعم الاحتراف الخارجي للشباب الواعدين. إن إعادة بناء الفئات السنية وتطبيق معايير إدارية وفنية عالمية تعد ركائز أساسية لاستعادة الهيبة الكروية للمنتخب الوطني.
المصدر الأصلي: العربية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.