لا تخصص هذه الزاوية للرياضة، لكن كأس العالم الذي استمر نحو شهر يستحق التوقف عنده، إذ تابعه بلايين البشر من مختلف الطبقات والأعمار والألوان، وانقسموا بين فرح وحزن. تنافس فيه 48 منتخباً، وقد يرتفع العدد إلى 64 في البطولة المقبلة التي تستضيفها المغرب وإسبانيا والبرتغال. وخلال البطولة، خسرت فرق وفازت أخرى، وربما ينسى الخاسر خسارته ويشجع فريقاً آخر، فليس بالضرورة أن الفائز هو الأفضل، فالتوفيق من الله ثم الحظ له دور مع الاجتهاد.

تُعد بطولة كأس العالم من أبرز الأحداث الرياضية التي تجذب انتباه العالم كل أربع سنوات.

واستشهد الكاتب بقول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

إِذا لَم يَكُن عَونٌ مِنَ اللَهِ للِفَتى

فَأَكثَرُ ما يَجني عَلَيهِ اِجتِهادُهُ

وإن كان عونُ الله للعبدِ واصلا

تأَتَّى له من كُلِّ شيءٍ مِدادُهُ

ثم انتقل إلى قول ابن زيدون حين ضاقت به الدنيا وهو في السجن:

وَلَقَد يُنجيكَ إِغفالٌ

وَيُرديكَ احتِراسُ

وَكَذا الدَهرُ إِذا ما

عَزَّ ناسٌ ذَلَّ ناسُ

إلى أن قال:

وَعَسى أن يَسمَحَ الدَهرُ

فَقَد طالَ الشِماسُ

نعم لقد سمح الدهر، وهرب من السجن، وحل بإشبيلية وتلقاه المعتضد بن عباد وأصبح ذا الوزارتين، وسفيراً بينه وبين الحكام الآخرين، واستمر في عهد ابنه المعتمد بن المعتضد، وعاش معززاً مكرماً حتى وفاته، وتولى ابنه أبو بكر بن زيدون الوزارة، حتى قدم ابن تاشفين فقتل أبو بكر مع من قتل، وأخذ المعتمد أسيراً، وهذه حال الدنيا، ونحن نلبس الدنيا ولكن، متعة ذاك اللباس. انتهت المنافسات، وفازت بها إسبانيا للمرة الثانية في تاريخها، وهو فوز مستحق، وبعده ستغادرنا أسماء لامعة ألفناها، وسيأتي بعدها جيل جديد، قد يعطي أفضل، أو أدنى، وهذه حال الدنيا حل وترحال، ولا يبقى إلا الحي القيوم، خالق كل شيء، وليس هذا مقتصر على كرة القدم، فمن مد الله في عمره، فقد عاصر سياسيين بارزين، وعلماء وأدباء، وتركوه أو سيتركهم.

ولنا في كأس العالم عبرة، فقد جمعت هذه اللعبة الأمم من سائر الأجناس والثقافات، لأن هناك ضوابط تحكم مسيرتها، دون تأثير أو تأثر، إلا نادراً جداً لا يكاد يذكر، فهناك حكام، وتقنية، ومراجعة وضبط، فلا لقوي سلطة على ضعيف، وإلا لسيَّر القوي الأمور كما يريد، ففسدت المنافسة، وفقد الناس الثقة بها، والدول التي صاغت قوانين كرة القدم والتزمت بها، لم تستطع أن تصيغ قانوناً عالمياً لحفظ دماء البشر وأموالهم وأعراضهم، يمنع الحروب والاعتداءات، على أن يطبق على القوي والضعيف، فلا اعتداء على الدول، ولا تجاوز للقانون، وكلنا يعلم أنه قد تم إنشاء مجلس الأمن وصياغة قوانين دولية لضبط العلاقات، لكن صياغتها يعتريها بعض الخلل، والقوة على التطبيق تكاد لا تذكر، إلا من خلال الهوى، واتباعه، وتحريفه لمن يريد تحريفه، ولنا عبرة فيما جرى ويجري من اعتداء إيراني على دول الخليج العربي، وما تقوم به إسرائيل في الأراضي المحتلة، وغيرها من دول الجوار.

ربما تجد الأجيال القادمة منفذاً إلى شيء ما، يشبه ما يحدث في مسابقة كأس العالم فيعم الأمن والسلام والوئام والمحبة، بعيداً عن الأيدلوجيا.

يتجاوز الحديث عن كأس العالم الجانب الرياضي ليشمل تأملات في الحياة والفوز والخسارة. ويستشهد الكاتب بأبيات من التراث العربي لتأكيد أن النجاح لا يعتمد فقط على الجهد بل على العون الإلهي. ومن المقرر أن تقام البطولة المقبلة في ثلاث دول، وهو ما يعكس توسع اللعبة عالمياً. وتظل دروس الرياضة قابلة للتطبيق في مختلف مجالات الحياة.