السياسة تحرز أهدافا في ملاعب كرة القدم أحيانا
لم تنشأ الصلة بين كرة القدم والسياسة اليوم، بل تمتد جذورها لعقود، ويسمي الخبراء هذا التقاطع بـ'الجيوسياسية الرياضية'. وقد رافقت كأس العالم هذه الظاهرة منذ انطلاقتها، رغم الادعاءات بأنها تنأى بنفسها عن الصراعات وتسعى لخلق منافسة قائمة على المساواة والعدالة داخل الملعب.
وتبرز هذه العلاقة بوضوح في البطولات الكبرى حيث تتحول الملاعب إلى ساحات للرسائل السياسية.
ملخص
العلاقة بين كرة القدم والسياسة ليست وليدة ولكن لها امتداد طويل، والتقاطع بينهما يطلق عليه المتخصصون "جيوسياسية الرياضية"، وقد صاحبت بطولة كأس العالم منذ بداياتها على رغم التأكيد بأنها تضع السياسة والصراعات جانباً، وتحاول خلق أجواء تنافسية أساسها المساواة والعدل داخل المستطيل الأخضر.
رغم مبدأ الفصل بين الرياضة والسياسة، تعد النسخة الحالية من كأس العالم من أكثر البطولات تأثراً بالتوجهات السياسية، نظراً لاندلاع أزمات عدة تشاركت الولايات المتحدة المستضيفة في بعضها.
قاعدة متعارف عليها في العالم كله وهي عدم خلط السياسية والدين بالرياضة، التي من المفترض أن تكون وسيلة للجمع بين الشعوب والتواصل بين الثقافات والتنافس الشريف بين البلدان المختلفة في البطولات العالمية. وفي عالم كرة القدم، باعتبارها اللعبة الأكثر شعبية في العالم، فإن بطولات كأس العالم تكون الأكثر مشاهدة ويتابعها المليارات حول العالم، مما يدلل على الانتشار الكبير الذي تحظى به، بالتالي التأثير الكبير الذي يمكن أن تحدثه.
ورغم أنه نظرياً يمنع الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) خلط السياسة بالكرة من خلال لوائح وقواعد منظمة، فإنه على أرض الواقع ليس هذا دائماً ما يحدث، وتبقى السياسة لاعباً فاعلاً في المستطيل الأخضر مع اللاعبين وحاضرة في مدرجات المشجعين.
يمنع الفيفا بشكل قاطع عرض أي رموز سياسية أو دينية على أزياء اللاعبين، ويتضمن نظامه الأساسي بنداً يحظر التمييز على أسس سياسية أو عرقية. كما يشترط الاتحاد الدولي استقلال اتحادات الكرة الوطنية عن الحكومات، ويعتبر أي تدخل حكومي سبباً لفرض عقوبات قد تصل إلى الحرمان من المشاركة في البطولات.
الأرجنتين ورسالة عن جزر فوكلاند
وربما كانت بطولة كأس العالم الحالية واحدة من أكثر البطولات التي ألقت التوجهات السياسية بظلالها عليها بصورة مكثفة لاشتعال أزمات متعددة. وأحدث حلقات التداخل فيها ما بين الرياضة والسياسة شهدتها مباراة ما قبل النهائي بين الأرجنتين وإنجلترا، التي انتهت بصعود المنتخب الأرجنتيني إلى النهائي بعدما قلب الهزيمة إلى مكسب في دقائق المباراة الأخيرة، كما اعتاد راقصو التانجو في مباريات كأس العالم الجارية.
عقب الفوز الدرامي احتفل لاعبو الأرجنتين على أرض الملعب برفع لافتة "ذات طابع سياسي" تشير إلى حرب جزر فوكلاند، وحملت اللافتة عبارة "لاس مالفيناس أرجنتينية" بأحرف كبيرة داكنة على خلفية بيضاء، رفعها في البداية لاعب الوسط جيوفاني لو سيلسو قبل أن ينضم إليه عدد من زملائه.
وتخضع الجزر التي تقع جنوبي المحيط الأطلسي للسيادة البريطانية، لكن الأرجنتين غزتها في عام 1982 قبل أن تستعيدها القوات البريطانية خلال الحرب. ولا تزال المملكة المتحدة ترفض الدخول في مفاوضات بشأن مطالبة الأرجنتين بالسيادة على الجزر.
علم فلسطين
وعلى رغم عدم وجود منتخب فلسطين في البطولة فإن ظلال القضية الفلسطينية كانت حاضرة بقوة، بخاصة عندما رفع مدرب المنتخب المصري حسام حسن علم فلسطين إلى جانب علم مصر بعد فوز منتخب بلاده على أستراليا، وإدلائه بحديث مطول عن الفلسطينيين ومدى الظلم الذي يتعرضون له ومطالبته بتحقيق العدل والنظر إلى هؤلاء الناس بعين الإنسانية والرحمة. وفي المباراة التي تليها لمصر ظهر علم إسرائيل في المدرجات على رغم عدم وجود أي سياق يستدعي ذلك.
ليست المرة الأولى التي تحضر فيها القضية الفلسطينية داخل الملاعب على يد المنتخب المصري، ففي عام 2008 حدثت واقعة شهيرة عندما قام اللاعب محمد أبو تريكة برفع قميصه خلال كأس الأمم الأفريقية لتظهر من تحته عبارة "تعاطفاً مع غزة، التي أحدثت ردود فعل كبيرة حينها. وحصل اللاعب المصري على تحذير من "الكاف" (الاتحاد الأفريقي للعبة) وكان معرضاً للإيقاف.
من بين أغرب ما شهدته البطولة الحالية من تدخل للسياسة بكرة القدم هو ما حدث بعد طرد اللاعب الأميركي فولارين بالوغون واتصال الرئيس الأميركي دونالد ترمب برئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو مطالباً بإلغاء البطاقة الحمراء، وهو ما حدث بالفعل بعدها ليثير دهشة وتعجب العالم كله باعتبارها سابقة.
حرب كرة القدم
العلاقة بين كرة القدم والسياسة ليست وليدة اليوم لكن لها امتداد طويل، والتقاطع بينهما يطلق عليه المتخصصون تسمية "جيوسياسية رياضية"، وقد صاحبت مسابقة كأس العالم منذ بداياتها على رغم التأكيد بأنها تضع السياسة والصراعات جانباً وتحاول خلق أجواء تنافسية أساسها المساواة والعدل داخل المستطيل الأخضر.
ويذكر تاريخ كرة القدم ما حدث في النسخة الثانية من كأس العالم التي أقيمت في إيطاليا عام 1934 وكيف وظف الفاشيون البطولة للدعاية السياسية ولإثبات تفوق العرق الإيطالي، وكيف كان اللاعبون الإيطاليون مجبرين على أداء التحية الفاشية في الملعب.
ويرصد الصحافي البريطاني سيمون كوبر في كتابه "كرة القدم ضد العدو" الصادر عام 1994 والذي يعد من أهم الكتب التي تناولت علاقة السياسة بكرة القدم، إذ سافر الكاتب إلى 22 دولة محللاً كيف تشتبك كرة القدم بالسياسة والحروب والانتخابات والهويات الوطنية، ليخرج بنتيجة مفادها أن كرة القدم ليست مجرد لعبة ولا تمثل فقط تكتيكات رياضية وتنافساً في الملاعب، لكنها تمثل صراعات عرقية وطبقية ودينية وأحياناً تمثل امتداداً للنزاعات والحروب بين الدول ولكن بوسائل أخرى.
من المباريات التي صُنفت على أنها كانت من أكثر ما شهدته الملاعب من أجواء مشحونة سياسياً هي مباراة أميركا وإيران في كأس العالم 1998، فبعد عقود من العداء السياسي مع سقوط الشاه وإعلان النظام الإسلامي والاعتداء على سفارة واشنطن لدى طهران ودعم أميركا للعراق إبان الحرب العراقية - الإيرانية، تواجه البلدان وجهاً لوجه، ليس في ساحة معركة ولكن في ملعب كرة قدم، حينها قدم الفريق الإيراني بادرة طيبة بمنح الفريق الأميركي وروداً بيضاء رمزاً للسلام. ولعبت المباراة بسلام وفازت فيها إيران بهدفين مقابل هدف واحد للولايات المتحدة.
وقد أشعلت مباراة كرة قدم حرباً بين بلدين، ففي عام 1969 قام نزاع مسلح بين هندوراس والسلفادور عرف بـ"حرب كرة القدم"، في أعقاب مباراة مؤهلة لكأس العالم بين الطرفين حينها، وذلك بسبب احتقان سياسي واقتصادي كان قائماً بالفعل بين البلدين بسبب قضايا متعلقة بالهجرة غير الشرعية وبخلافات حول الحدود. وأدت المباراة إلى زيادة إشعاله ليتحول إلى اقتتال بين الطرفين. هدأت الأوضاع بعد تدخل منظمة الدول الأميركية لوقف إطلاق النار بين الجانبين، ليطلق على هذه الحرب اسم "حرب كرة القدم" أو "حرب الـ100 ساعة".
وفي مونديال روسيا 2018 وأثناء مباراة النهائي بين فرنسا وكرواتيا اقتحم أشخاص يرتدون زي الشرطة الملعب في موسكو احتجاجاً على أوضاع سياسية قبل أن يُعتقلوا ويُحاكموا. هؤلاء الأشخاص وجدوا أن الحدث الرياضي الأكبر في العالم الذي يشاهده ملايين وربما مليارات البشر سيكون فرصة مثالية للفت الانتباه إليهم وإلقاء الضوء على أحداث سياسية معينة.
لاحقاً وفي الدورة التالية من كأس العالم التي أقيمت في قطر استُبعدت روسيا من المشاركة في كأس العالم ومن البطولات الرياضية كافة، بعد الحرب التي شنتها على أوكرانيا في فبراير (شباط) 2022، بعدما كان المنتخب الروسي على بعد خطوة واحدة من المشاركة في المونديال.
ومن بين نسخ المونديال التي اعتبرها المتخصصون في الرياضة من الأسوأ على الإطلاق كانت بطولة كأس العالم التي أقيمت في الأرجنتين عام 1978 وشهدت كثيراً من الخلط بين السياسة والكرة، إذ كانت الأرجنتين وقتها تحت حكم عسكري، بعدما شن الجنرال خورجي فيديلا قبلها انقلاباً عسكرياً على رئيسة البلاد إيزابيل بيرون، وكانت البلاد حينها تعج بأعمال عنف وبالسجون والمعتقلات التي كانت على مقربة من ملاعب البطولة. وألقى هذا بظلاله على البطولة التي حصلت الأرجنتين على حق تنظيمها وسط تكنهات بوجود فساد ورشى وصفقات، إذ استخدم النظام البطولة لتجميل صورته.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي ما يتعلق بالتعصب الديني والسياسي على السواء، فإن المثال الأبرز هو العداء المتواصل بين أكبر ناديين في اسكتلندا، "سيلتيك" الذي تأسس على يد مهاجرين إيرلنديين والمرتبط بالكاثوليك ويميل للقومية الإيرلندية والاستقلال، ونادي "رينجرز" الذي تأسس على يد الطبقة العاملة الاسكتلندية المنتمية إلى طائفة البروتستانت ويدين بالولاء للهوية البريطانية والتاج الملكي. ولعقود طويلة حدثت اشتباكات وتوترات بين جمهوري الناديين في المدرجات، وكانت المباريات بينهما تُجرى في أجواء مشحونة بالتعصب الديني والسياسي.
من أبرز الكتابات في هذا الشأن كتاب "كرة القدم بين الشمس والظل" للكاتب الأوروغواني إدوارد غاليانو، إذ يرصد في كتابه تاريخ اللعبة من بداياتها، وكيف شهدت صراعات طبقية متتالية، ويركز على منطقة أميركا اللاتينية، إذ بدأت كلعبة أرستقراطية كان يمنع السود من المشاركة فيها. وكيف مع الزمن انتصر الفقراء والسود بعد اتخاذهم تلك اللعبة وسيلة للترقي الاجتماعي وصولاً إلى لعبهم في أكبر الأندية العالمية. ويرصد الكاتب مجموعة من الشخصيات الرموز الذين انتصروا في كرة القدم ومن بينهم مارادونا، الذي يصفه بأنه كان "بطلاً شعبياً" وبـ"الطفل الذي لم يكبر أبداً"، وبأنه كان يراوغ المدافعين كما يراوغ الفقر في شوارع الأرجنتين.
كرة القدم تهدئ الأجواء أحياناً
ليست الحروب المشتعلة والنزاعات القائمة فقط هي ما تشهده ملاعب كرة القدم ولكنها في بعض الأحيان قد تكون سبيلاً لإخماد بعض الصراعات أو لتهدئة أجواء مشتعلة، ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما حدث عام 2005 بعدما تأهلت ساحل العاج لكأس العالم للمرة الأولى في تاريخها بعد مباراة أمام السودان، قاد المنتخب العاجي حينها نجم نادي تشيلسي اللندني ديدييه دروغبا، وكانت بلاده حينها تعيش صراعات وحرباً أهلية.
وبعد المباراة ومن داخل غرفة الملابس وجه دروغبا وفريقه كلمة مؤثرة للأطراف المتناحرة تدعوهم إلى وقف القتال والالتفاف حول الحدث الذي تشهده البلاد للمرة الأولى في تاريخها وإلقاء الأسلحة وإجراء انتخابات، وحدث هذا لاحقاً بالفعل.
وقبل ظهور كأس العالم من الأساس وفي أوج الحرب العالمية الأولى عام 1914، وفي ليلة عيد الميلاد حدثت هدنة بين ألمانيا وبريطانيا، إذ خرج الجنود من الجانبين إلى منطقة محايدة وتبادلوا التذكارات ولعبوا مباراة مشتركة لكرة القدم. بعد انقضاء أكثر من 100 عام لا تزال هذه الليلة تذكر بـ"هدنة الميلاد"، ولا تزال المباراة التي جمعت الفريقين المتناحرين في حرب عالمية تدلل على قوة كرة القدم وسحرها، فأول ما فكر فيه الجنود عندما تُوصل إلى هدنة هو أن يلعبوا مباراة كرة.
الشعبية تقود للسياسة
أحياناً يستغل لاعبو كرة القدم المحترفون شعبيتهم الكبيرة في الانتقال لعالم السياسة مثلما حدث مع جورج ويا اللاعب المحترف الليبيري الذي كان أفضل لاعب في العالم عام 1995، واتجه لاحقاً إلى السياسة وترشح لرئاسة البلاد وفاز بها عام 2018.
أيضاً روماريو هداف البرازيل، وبطل كأس العالم عام 1994، الذي أصبح نائباً في البرلمان البرازيلي عن ريو دي جانيرو، وكان أكثر شخص ترشح لمجلس النواب يحصل على أصوات عن المدينة نتيجة لشعبيته الجارفة. وركز على القوانين الرياضية، وفي عام 2014 انتقد بطولة كأس العالم ووصفها بأنها غارقة في الفساد.
"); googletag.cmd.push(function() { onDvtagReady(function () { googletag.display('div-gpt-ad-3341368-4'); }); }); }
المزيد عن:كرة القدمالدينالسياسةكأس العالمالرياضةالفيفاالشعارات السياسيةهدنة الميلادمحمد أبو تريكةحسام حسنديدييه دروغبادونالد ترمبالولايات المتحدةإيرانجياني إنفانتينو
وتظل مسألة فصل الرياضة عن السياسة موضع جدل، إذ تتداخل الرموز الوطنية والصراعات التاريخية مع المنافسات. وتشير حوادث مثل رفع لافتة مالفيناس وعلم فلسطين إلى أن المستطيل الأخضر ليس بمنأى عن التوترات الجيوسياسية، مما يضع الفيفا أمام تحديات مستمرة في تطبيق لوائحه المناهضة للسياسة. مع استضافة الولايات المتحدة للبطولة، برزت أزمات عدة ألقت بظلالها على المباريات، مما يؤكد صعوبة الفصل التام بين الرياضة والسياسة في عالم مشحون بالخلافات.
المصدر الأصلي: اندبندنت عربية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.