إسبانيا تتوج بلقب مونديال 2026 في نيوجيرسي بعد فوزها على الأرجنتين بهدف فيران توريس
توجت إسبانيا بلقب مونديال 2026 إثر فوزها على الأرجنتين بهدف فيران توريس في الدقيقة 106، وسط تفاعل واسع مع أبعاد اللقاء الرياضية والسياسية.
واليوم انتصرت كرة القدم.
أعقبت النقاشات التي سبقت اللقاء ليلة حاسمة في نيوجيرسي، حيث حسمت قدم فيران توريس المواجهة في الدقيقة 106 أمام الأرجنتين، لتؤكد تفوق الميدان على أي تأثيرات خارجية وتثبت جدارة المتاعب والأداء الجماعي.
تشكل بطولات كأس العالم لكرة القدم مسرحاً تتداخل فيه المنافسات الرياضية مع الرسائل والرمزيات السياسية الواسعة النطاق.
حققت إسبانيا الفوز بهدف يتيم، متجاوزة عقبات عدة تمثلت في إلغاء هدف بداعي التحكيم وخشونة المنافس منذ الدقائق الأولى، أعقب ذلك امتناع لاعبي الأرجنتين عن حضور مراسم التتويج والمؤتمر الصحفي.
أصحاب الكرة الجميلة والنزيهة، أصحاب المواقف المشرفة، هم من توجوا بالذهب. والآخرون توجوا أنفسهم بما اختاروه .
في قاموسنا الكروي القديم عبارة قاسية كنا نرددها عن الكبار: «تكسب ولا تلعب». إسبانيا وحدها، منذ جيلها الذهبي الأول، أصرّت على قلب المعادلة. واليوم لعبت وكسبت. كسبت على المستوى الفني حيث كانت الفروقات شاسعة إلى حد أن ميسي نفسه في نهائيه الثالث، لم يجد مساحة واحدة يصنع فيها شيئاً، وذاب تدريجياً في مباراةٍ احتكرت فيها «لاروخا» الكرة والمبادرة معاً. وكسبت على المستوى الذهني حيث تهزم الجماعةُ المنظمةُ الفردياتِ مهما عظُمت. وكسبت قبل هذا كله، على المستوى الأخلاقي: فريقٌ لعب نظيفاً وخسر هدفاً بقرار تحكيمي، فلم يشتكِ ولم يعتدِ.. بل عاد وسجّل! الحرّ من يستحق الفوز فقط، وإسبانيا قالتها بقدميها لا بلسانها .
غير أن الليلة لم تكن رياضيةً خالصة، وما كان لها أن تكون. فقبل النهائي بأحد عشر يوماً فقط، أمر الرئيس الأميركي بوقف التعاملات التجارية مع إسبانيا، عقاباً لها على استقلال قرارها في ملف الإنفاق الدفاعي ورفضها وضع قواعدها في خدمة الحرب على إيران. ثم شاءت الأقدار وللأقدار حسٌّ عالٍ بالسخرية، أن يقف الرجل نفسه في قلب ملعبه على أرضه وبين جمهوره، يعلّق الميداليات الذهبية على صدور الإسبان واحداً واحداً، ويسلّم الكأس إلى رودري، فيما العلم الإسباني يأكل أرض الملعب والملك فيليبي السادس وعائلته يحتفلون على المنصة. البلد الذي عوقب لأنه قال «لا» انتزع النصر من قلب واشنطن، وكان على من فرض العقوبة أن يصفق .
وعقّب الرئيس في أعقاب تتويجه للفريق الإسباني المنافس لسياسات حكومته بأنه هنأهم على أدائهم الاستثنائي، مؤكداً عدم وجود أي توترات.
قلنا سابقاً إن مكالمةً واحدة ألغت عقوبة لاعب، واليوم نضيف: ركلةٌ واحدة ألغت خطاباً سياسياً كاملاً، وفعلت في ليلةٍ ما عجزت عنه السياسة في شهور. تلك قوة اللعبة التي قيل لنا إنها مجرد ملهاة.
أما نحن، في هذا الجزء من العالم، فقد كان لانتصار إسبانيا طعمٌ آخر. لم يشجّع العرب «لاروخا» لجمال كرتها وحده، بل لأن مدريد، تحت حكومة بيدرو سانشيز، تصدّرت أوروبا جرأةً في الانتصار للحق في غزة: "اعترافٌ بدولة فلسطين، وقيودٌ على السلاح، وصوتٌ لم يعرف التلعثم حين تلعثم الآخرون".
وفي المقابل، أعلن رئيس حكومة الاحتلال دعمه العلني للأرجنتين قبل النهائي، فاختار كلُّ جمهورٍ ضفته من تلقاء نفسه. وهكذا احتفلت شوارع القاهرة وبيروت وغزة نفسها، المنكوبة الصامدة، بعلمين متعانقين لم يفترقا طوال البطولة: الأحمر والأصفر الإسباني، وإلى جانبه علم فلسطين الذي لم يغب لحظةً عن الأنظار. لم يكن الفوز إسبانياً فحسب، بل بدا في عيون الملايين انتصاراً لفكرة أن الوقوف مع الحق لا يُفقر أحداً ولا يهزمه، وأن الأمم الصغيرة والكبيرة حين تقاوم الإملاءات تلتقي على المعنى ذاته، من مدريد إلى بيروت.
كتبنا في المقال السابق أن انهيار افتراض النزاهة أخطر من المؤامرة نفسها، وأن الغضب واحدٌ من القاهرة إلى أوسلو. واليوم لا ندّعي أن ليلةً واحدة رمّمت ما تهدّم، فالثقة لا تُبنى بنهائيٍ عادل كما لا تُهدم بمكالمة. لكن النهائي قدّم للجنوب وللمظلومين في كل ملعب، وصفةً عمليةً واحدة: "كن أفضل من أن تُسرق".
حين تُلغى لك الأهداف فسجّل غيرها، وحين تُكسر سيقانك فمرّر من فوقها، وحين يُدار الظهر لمنصتك فاصعد إليها وحدك. تلك ليست عدالة، لكنها الطريق الوحيد إليها ما دام الهاتف قريباً من الصافرة.
ستُنسى النتيجة مع الأيام وستأتي بطولات وأبطال، هذه سنّة اللعبة. لكن الذي يبقى في ذاكرة الناس والتاريخ ليس رقماً على لوحة، بل الأخلاق والتواضع والتمسك بالمبادئ، وقد جمعتها إسبانيا كلها في صيفٍ واحد: قيمٌ صاحبت الطريق إلى منصة التتويج كما لم يصاحبها إعلانٌ ولا راعٍ.
قلنا إن التاريخ يسجل من رفع السماعة كما يسجل من رفع الكأس. واليوم نكمل العبارة: "سجل التاريخ ليلة التاسع عشر من يوليو، أن الكأس ارتفعت بأيدٍ نظيفة وأن السماعة لأول مرة منذ زمن لم تجد من تتصل به. اليوم انتصرت كرة القدم، وكان انتصارها كافياً ليذكر العالم بأن الملوك الحقيقيين يُتوَّجون في الملاعب لا في المقصورات.
يمثل هذا التتويج محطة مفصلية تتجاوز حدود المستطيل الأخضر لتلامس قضايا سياسية ودولية راهنة. وقد أظهرت تفاعلات الجماهير في مختلف العواصم العربية مدى ارتباط الشارع الرياضي بالمواقف السياسية للحكومات. ويبقى على المتابعين مراقبة تداعيات هذه النتائج على المشهدين الرياضي والدبلوماسي في المستقبل القريب. وتظل كرة القدم قادرة على صناعة اللحظات التي تتصدى للإملاءات وتحمل دلالات رمزية عميقة.
المصدر الأصلي: الرياض
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.