ملخص

خيبة الأمل التي منيت بها إنجلترا في مونديال 2026 لم تكن مجرد فشل رياضي عابر، بل كشفت نقصاً جوهرياً في الرؤية والهوية داخل الاتحاد الإنجليزي، حيث تظل الموارد المالية والمدربين البارزين غير كافية لبناء منتخب ينافس على البطولات.

يمر المنتخب الإنجليزي بمرحلة إعادة تقييم بعد إخفاقه الأخير، وسط تساؤلات حول مستقبل المدرب توماس توخيل.

قد يكون الأداء الذي قدمته إنجلترا في كأس العالم كافياً لإجبار أي اتحاد كروي آخر على إجراء مراجعة شاملة، لكن الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم لم يحرك ساكناً.

وجاء بيان مقتضب يؤكد أن "اللاعبين وتوماس بذلوا كل ما لديهم"، لتؤكد التسريبات من الكواليس أن لا تغيير ولا مراجعة جادة مطروحة على الطاولة.

فالرهان داخل الاتحاد لا يزال كاملاً على توماس توخيل، مع قناعة أكبر بأنه المدرب القادر أخيراً على قيادة إنجلترا إلى لقب بطولة أوروبا 2028 على أرضها.

تأجيل النقاشات الأعمق

وقد تترك النقاشات الأعمق حول المستقبل إلى وقت آخر، لكن حتى في هذه اللحظة تحديداً، يلوح خطر حقيقي يتمثل في تضرر علاقة توخيل باللاعبين.

فقد جرى التعاقد معه تحديداً بفضل سمعته كعبقري تكتيكي و"مدرب فائز"، يجيد قيادة الفرق لعبور اللحظات الحاسمة. ومع ذلك، ظهرت إنجلترا هنا بأبسط الأفكار التكتيكية الممكنة، وهو ما حرم اللاعبين من فرصة كتابة التاريخ، وسط انتقادات ضمنية تتعلق بـ"إيمانهم" بأنفسهم.

وليس من الصعب تصور كيف يمكن أن تنقلب الأمور إلى الأسوأ.

أموال طائلة من دون مشروع كروي متكامل

في الوقت الحالي، لا يملك المحيطون بمعسكر المنتخب الإنجليزي سوى التحسر على ما حدث في هذه النسخة من كأس العالم. بل إن بعضهم بات يشعر بشيء من الظلم القدري، وكأن الفوز لن يكون من نصيب إنجلترا أبداً، وكأن انتظار لقب كبير سيمتد إلى ما لا يقل عن 62 عاماً.

ذلك الفشل أشبه بتحويل عكسي، إذ يحول القيمة إلى نقيضها، وبخاصة بعدما ضخ الاتحاد الإنجليزي أموالاً طائلة. ومع ذلك، فلهذا السبب تحديداً يبدو أن في هذه النتيجة قدراً من العدالة الكروية.

وقد يصعب على كثير من جماهير إنجلترا تقبل هذا الكلام، لكن بعضهم، وخصوصاً داخل الاتحاد الإنجليزي، في حاجة إلى سماعه.

فمن الجيد، على الأرجح، لكرة القدم الدولية ألا يفوز أحد أغنى الاتحادات في العالم، الذي يتمتع أساساً بامتيازات كثيرة، لمجرد أنه قادر على التعاقد مع أغلى مدرب متاح.

فما الرسالة التي سيبعث بها ذلك؟ وما الدرس المستفاد؟ هل يكفي الثراء وحده؟ وهل يمكن ببساطة شراء "مدرب فائز" إذا امتلكت ما يكفي من المال؟

لقد أصبح هذا النهج شائعاً أكثر مما ينبغي في كرة القدم على مستوى الأندية. ومن الإيجابي ألا ينتقل إلى كرة القدم الدولية بالطريقة نفسها، لأن النجاح هنا يحتاج إلى أفكار أعمق، بل سيكون ذلك أفضل أيضاً للاتحاد الإنجليزي إذا اضطر إلى التفكير بجدية في هذه المسألة.

لكن هل سيفعل؟ كل المؤشرات حتى الآن توحي بالعكس. والأكثر إحباطاً أن الاتحاد أنجز بالفعل معظم العمل المطلوب.

فقد استثمرت كرة القدم الإنجليزية ثروتها الهائلة في بناء منظومة لإنتاج المواهب باتت محل إعجاب معظم دول العالم. وهناك تدفق مستمر للاعبين، ولا سيما في بعض المراكز. وقد أثبت مشروع "خطة تطوير أداء اللاعبين النخبة" نجاحه. لكنها تظل خطة تفتقر إلى الاندماج ضمن رؤية أشمل.

هوية المنتخب الإنجليزي الغائبة

وهنا تحديداً يصبح تعيين توخيل محوراً لنقاش أوسع، ولهذا يمكن القول إن إخفاق الاتحاد الإنجليزي، حتى الآن، يبدو مستحقاً.

فما ينبغي أن يفكر فيه الاتحاد حقاً هو الشكل الذي يريد أن يظهر به المنتخب الإنجليزي، وما هي هوية المنتخب الوطنية.

وما السمات الكروية المرتبطة بالثقافة الإنجليزية التي يرغب في تطويرها وتعزيزها، ضمن منظومة تدريبية تتماشى مع متطلبات كرة القدم الحديثة؟

الشخص الوحيد الذي بدا، من جانبه، منشغلاً بهذه الفكرة كان توخيل نفسه. فقد تحدث بإقناع عن رغبته في أن تلعب إنجلترا "بأسلوب الدوري الإنجليزي الممتاز"، أي بالإيقاع والقوة اللذين يتماشيان بالفعل مع بعض أبرز مزايا الكرة الإنجليزية.

لكن الواقع جاء مختلفاً تماماً، وهو أمر يتكرر مع توخيل إلى حد ما. فقد يجيد الحديث لكنه، باستثناء 15 دقيقة أمام كرواتيا، لم يقدم أداء يعكس ذلك.

وبدلاً من تقديم كرة تشبه أسلوب الدوري الإنجليزي الممتاز، فإن مجرد التعاقد معه جسد نموذجاً آخر من عقلية الدوري الإنجليزي.

إذا واجهتك مشكلة، فاشتر حلاً لها. ولا تفكر فيها بعمق.

ومن المثير للإدانة، وإن كان ربما أمراً متوقعاً، أن ينتهج الاتحاد الإنجليزي الأسلوب نفسه في الحقبة ذاتها التي بات يتمتع فيها باستقلال مؤسسي عن الدوري الإنجليزي الممتاز.

أزمة تكتيكية تتكرر عبر الأجيال

ولإنصاف توخيل أيضاً، من الصعب عدم ربط بعض عروض المنتخب بهذه المشكلات الأوسع.

فإنجلترا لا تزال عاجزة عن إنتاج لاعب الوسط القادر على التحكم بإيقاع اللعب، وربما يرتبط ذلك بهذه الحجة القائلة إن الفريق لا يزال يفتقد الثقة، وإن هناك قصوراً تكتيكياً في الذكاء الكروي لدى الفرق الإنجليزية.

ومن اللافت حقاً أننا عدنا إلى النقطة نفسها، وكأننا في أعوام 2016 أو 2010 أو 1998، حين كانت إنجلترا غير قادرة على فرض سيطرتها على المباراة، وتخسر أمام أول منتخب قوي تواجهه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

قد يبدو هذا التقييم قاسياً، وبخاصة أن المنتخب كان على أعتاب بلوغ نهائي بطولة كبرى للمرة الثانية توالياً، والثالثة في آخر أربع بطولات، لكن هنا تحديداً يكمن الفارق بين النجاح والإخفاق.

فكرة القدم الإنجليزية تملك من الثروة ما يكفي لإنتاج كمية كبيرة من اللاعبين المميزين القادرين على إيصالك إلى المراحل المتقدمة. لكن الذهاب حتى النهاية؟ ذلك يتطلب، بحق، شيئاً أعمق.

إسبانيا تقدم نموذجاً وهوية واضحة

وبالمثل كانت إنجلترا على وشك أن تواجه إسبانيا للمرة الرابعة توالياً في نهائي بطولة كبرى، نهائي كأس العالم للسيدات، ونهائي بطولة أوروبا للرجال، ونهائي بطولة أوروبا للسيدات، ثم - في النهاية لم يحدث - نهائي كأس العالم للرجال.

وعلى رغم أن بعضهم قد يتحفظ على الجمع بين كرة القدم النسائية والرجالية في هذا السياق، فإن ذلك وثيق الصلة هنا لأنه يعكس ثقافة كرة القدم في البلدين.

فقد سارت المباريات الثلاث وفق السيناريو نفسه تماماً، وكان هذا النهائي الافتراضي لكأس العالم سيجري بالطريقة ذاتها، إذ تفرض إسبانيا سيطرتها، بينما تكافح إنجلترا على الأطراف وتحاول فرض أي رد فعل.

وفازت إنجلترا بإحدى تلك المباريات بقيادة سارينا فيغمان، لكن ذلك يعود بدرجة كبيرة إلى براعتها في إدارة المباراة، وإلى قدر من الحظ، إضافة إلى قوة دكة البدلاء.

ومرة أخرى، فإن ذلك لا يقول كثيراً عن أسلوب لعب إنجلترا بوصفه فكرة متكاملة.

المدرب المناسب يبدأ من ثقافة البلد

وفي المقابل انظر إلى المدربين اللذين أطاحا بإنجلترا من آخر بطولتين كبيرتين للرجال، واللذين يصادف أيضاً أنهما طرفا النهائي، ليونيل سكالوني ولويس دي لا فوينتي.

فهما نموذجان كلاسيكيان لمدربي الاتحادات الوطنية. أو بعبارة أخرى، هما من نوعية المدربين الذين لن يفكر الاتحاد الإنجليزي في التعاقد معهم. فأين سجل كل منهما في دوري أبطال أوروبا، بعد كل شيء؟

وفي الواقع، فإن الاتحاد الإنجليزي محق في عدم السعي وراءهما، لكن فقط لأن قيمتهما الحقيقية تكمن في معرفتهما العميقة بثقافة كرة القدم في بلديهما. فقد عمل دي لا فوينتي مع غالبية لاعبي المنتخب الإسباني منذ أن كانوا صغاراً.

إنه ينسجم مع فكرة وهوية لا تملكها إنجلترا.

وعلى رغم صحة القول إن المنظومة الإنجليزية لا تنتج المدربين بالمستوى نفسه الذي تنتج به اللاعبين، فإن هناك مواهب تدريبية بدأت في الظهور. بل يمكن القول إن إنجلترا تملك نسختها الخاصة من دي لا فوينتي متمثلة في لي كارسلي. فقد قدم خلال مبارياته الست تصوراً كروياً أوضح، في مناسبات أكثر، مما قدمه توخيل.

وعلى رغم أن تعيين اسم لا يملك بريقاً كبيراً كهذا قد يبدو مستغرباً بالنسبة إلى إنجلترا، فإن رد الفعل نفسه تقريباً رافق تعيين سكالوني ودي لا فوينتي، كل في بلاده.

ويبقى في النهاية أمر أخير يستحق التكرار. فهذا كله لا علاقة له إطلاقاً بكون توخيل ألمانياً، أو بأي جنسية أخرى.

بل يتعلق بعجز القائمين على كرة القدم الإنجليزية عن امتلاك تصور واضح لما يجب أن يكون عليه المنتخب الإنجليزي.

ويدفع الاتحاد الإنجليزي ثمن غياب الرؤية الواضحة، رغم الإنفاق الضخم الذي لم يثمر عن لقب. ويظل السؤال مطروحاً حول قدرة توخيل على تجاوز هذا الإخفاق وتعويضه في بطولة أوروبا 2028. أما الجماهير فتعيش شعوراً بالإحباط جراء استمرار العقم البطولي الذي قد يمتد إلى 62 عاماً.