كشف الاتحاد السعودي لكرة القدم عن توسيع قاعدة مسابقات الفئات السنية لتشمل فئات تحت 5 و7 و9 سنوات، لتنضم بذلك إلى سلسلة المنافسات الممتدة حتى تحت 21 عاماً. وتعد هذه الخطوة توجهاً إيجابياً يجسد فهماً عميقاً لأهمية التأسيس المبكر، إذ لا تقتصر صناعة لاعب كرة القدم على المراهقة، بل تبدأ من المراحل العمرية الأولى التي تُصقل فيها المهارات وتتشكل فيها الهوية الرياضية للطفل.

تأتي هذه المبادرة في إطار استراتيجيات تطوير كرة القدم التي تهدف إلى رفع مستوى المخرجات الفنية للاعبين من خلال تكثيف برامج الرعاية الرياضية منذ الصغر.

تعتمد كرة القدم في عصرها الحالي على منهجية تراكمية دقيقة تتجاوز مجرد الاعتماد على الموهبة الفطرية أو المصادفة. فكلما تزامنت بداية المسيرة الرياضية مع سن مبكرة، تعاظمت فرص اللاعب في تعزيز قدراته الفنية، البدنية، والذهنية، مما يهيئه للالتحاق بالفريق الأول بامتلاك فعلي لأدوات اللعبة بعيداً عن الاكتفاء بالحماس العاطفي.

أخبار متعلقة

لكن نجاح هذه الخطوة لا يرتبط بإقامة المسابقات وحدها بل بما يسبقها من إعداد وتجهيز. فالمسابقة هي الثمرة أما الجذور فهي المدرب والبيئة والمنهج والإمكانات.
ومن أهم الأسئلة التي يجب أن تُطرح هل لدينا العدد الكافي من المدربين المؤهلين لتدريب هذه الأعمار؟
للأسف ما زالت اشتراطات تدريب الفئات السنية الصغيرة تعتمد في كثير من الأحيان على الحصول على رخص تدريبية أساسية مثل E أو C أو B الآسيوية وبعض هذه الرخص يمكن لأي شخص الالتحاق بها بمجرد التسجيل وسداد الرسوم حتى وإن لم يسبق له ممارسة كرة القدم أو العمل الميداني داخل المستطيل الأخضر.
الرخصة التدريبية مهمة لكنها ليست كافية وحدها. فالعمل مع طفل في الخامسة أو السابعة لا يحتاج إلى معرفة فنية فقط بل إلى فهم لأساليب التعليم والتعامل النفسي ومراحل النمو وكيفية غرس أساسيات اللعبة بطريقة صحيحة. فالخطأ في هذه المرحلة قد يلازم اللاعب سنوات طويلة بينما التصحيح يصبح أكثر صعوبة كلما تقدم في العمر.
ولا يمكن أيضاً تجاهل واقع البنية التحتية في عدد من الأندية فهناك أندية تفتقر إلى الملاعب المناسبة أو الأدوات التدريبية أو حتى المساحات الآمنة التي تستوعب هذه الفئات العمرية. فكيف نطالب بمخرجات عالية الجودة بينما أدوات العمل الأساسية ليست متوفرة؟
ولعل أكثر ما يثير التساؤل أننا ما زلنا نشاهد لاعبين يصلون إلى الفريق الأول وبعد أكثر من عشر سنوات داخل الفئات السنية يعانون من أساسيات يفترض أنها تُكتسب في السنوات الأولى مثل التمركز الصحيح أو الاستلام والتسليم أو حتى تنفيذ رمية التماس بالشكل القانوني. وهذه ليست مسؤولية اللاعب وحده، بل نتيجة خلل في منظومة التأسيس بأكملها.
إن استحداث مسابقات البراعم قرار مهم لكنه يجب أن يكون بداية مشروع متكامل لا مجرد زيادة في عدد البطولات. مشروع يبدأ بتأهيل المدرب الحقيقي وتطوير البنية التحتية ووضع مناهج تدريب موحدة ومتابعة جودة العمل داخل الأكاديميات والأندية لأن الاستثمار في الطفل اليوم هو استثمار في منتخب الغد.
ومضة أخيرة :
المسابقات تصنع المنافسة لكن المدرب يصنع اللاعب والبيئة تصنع المدرب. وإذا أردنا أن نجني ثمار هذه الخطوة بعد عشرة أعوام فعلينا أن نعتني بالجذور قبل أن ننتظر الحصاد. فالتطوير الحقيقي لا يبدأ بإطلاق البطولة بل يبدأ من أول حصة تدريبية يتعلم فيها الطفل كيف يلمس الكرة بالطريقة الصحيحة.

تؤكد هذه الخطوات على أهمية التخطيط طويل المدى في بناء منظومة رياضية مستدامة، حيث لا تعد البطولات غاية في حد ذاتها بقدر ما هي انعكاس لجودة الإعداد القاعدي. يبقى الرهان القادم على مدى مواءمة المناهج التدريبية وتأهيل الكوادر البشرية مع هذه الطموحات لضمان تحويل الاستثمارات الحالية إلى نتائج ملموسة في المستقبل الكروي للمملكة.