لا يزال صدى كلمات الأسطورة الراحل (مارادونا) يتردد في الأذهان، حين حذر من تحول كرة القدم إلى صناعة اقتصادية بحتة، تتقطع فيها مجريات اللعب إلى فترات زمنية مخصصة للإعلانات والتسويق، مما قد يسلب اللعبة جانباً من رونقها وبريقها المعهود.

تُعد بطولة كأس العالم الحدث الرياضي الأكثر متابعة عالمياً، حيث تترقبها الجماهير كل أربع سنوات لتحديد هوية المنتخب الأفضل على مستوى المعمورة.

في الواقع، جاءت رؤية مارادونا تلك كسهام نقدية موجهة للاتحاد الدولي لكرة القدم، وهو ما تجلى بوضوح في مونديال 2026، حيث أصبحت فترات التوقف المخصصة للإعلانات التجارية خلال الشوطين واقعاً ملموساً يفرضه البث التلفزيوني.

أخبار متعلقة

مونديال 2026 شارك فيه 48 منتخبًا، والجميع توقع أن تكون بعض مبارياته مملة وبدون جماهير، ولكن ما حدث كان العكس؛ فقد نجحت الفكرة، والحق يقال إن الحضور الجماهيري كان مبهرًا، والمستويات الفنية عالية الجودة.
ورغم ما حدث في البداية من إجراءات غير مقبولة لبعض المنتخبات في عملية التفتيش لدواعٍ أمنية، وقضية إلغاء البطاقة الحمراء للاعب الأمريكي في سابقة تاريخية ربما يدفع ثمنها رئيس الفيفا في الانتخابات القادمة، وما قيل وسيقال عن محاباة الفيفا للأرجنتين وميسي، إلا أن المونديال نجح عبر المعمورة إعلاميًا وجماهيريًا وفنيًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
واليوم يُسدل الستار على أكبر تظاهرة كروية عالمية بعد أيام طويلة من التشويق والمتابعة والإثارة، وسباق محموم بين النجوم على لقب الهداف، ووصول الأرجنتين وإسبانيا إلى النهائي، رغم قوة المنتخب الفرنسي في كل مبارياته، ما عدا المباراة التي خسر فيها أمام إسبانيا في الأدوار الإقصائية، ولم يتأهل إلى النهائي.
ميسي كان الحدث، وكان الإبهار، وكان الإبداع، وهو في عمر الـ39، حيث لم يكن ضيف شرف، فهو الأكثر أهدافًا، والأكثر صناعة، والأكثر حسمًا لمنتخب بلاده في الأوقات الصعبة.
وما يلفت نظر المتابعين في حكاية الجمهور الأرجنتيني هو عشقه لميسي، الذي حقق لقب 2022 ووصل إلى النهائي الحالي، ومع ذلك ما زالت جماهير التانغو في كل مناسبة ترفع صورة (مارادونا) في حالة هيام لا تنتهي، وتردد اسمه في ظاهرة جماهيرية لا تتكرر، حتى مع بيليه لدى جماهير البرازيل، وهو الذي حقق ثلاثة ألقاب مونديالية، أولها بعمر الـ17 عامًا.
نهائي الأرجنتين وإسبانيا له حكاية اسمها (ميسي ولامين)، من صورة الطفولة إلى نهائي كأس العالم... حكاية أقرب إلى الخيال.
في عام 2007، التُقطت صورة لم يكن أحد يتوقع أن تتحول يومًا إلى واحدة من أشهر الصور في تاريخ كرة القدم.
كان النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي يشارك في جلسة تصوير خيرية نظمها نادي برشلونة بالتعاون مع منظمة اليونيسف وصحيفة "سبورت" الإسبانية، عندما حمل طفلًا رضيعًا بين ذراعيه أثناء التقاط الصور.
وجاء وجود يامال في تلك الجلسة بعد أن فازت عائلته بقرعة خيرية أتاحت لها المشاركة في جلسة التصوير مع أحد نجوم برشلونة، لتجمع الصدفة بين ميسي والطفل الذي سيصبح بعد سنوات أحد أبرز نجوم كرة القدم في العالم.
وبعد نحو 19 عامًا، يعود بطلا تلك الصورة إلى الواجهة، لكن هذه المرة ليس أمام عدسات المصورين، بل على أكبر مسرح كروي في العالم، عندما يلتقيان في نهائي كأس العالم 2026 بين الأرجنتين وإسبانيا.
المفارقة أن ميسي، الذي أصبح أحد أعظم لاعبي كرة القدم عبر التاريخ، يقف اليوم في مواجهة اللاعب الذي ينظر إليه كثيرون باعتباره أحد أبرز نجوم الجيل الجديد، في مشهد يجسد انتقال الشعلة بين جيلين.
الفارق بينهما يقارب عشرين عامًا؛ ميسي يخوض واحدة من آخر محطاته المونديالية، بينما يامال يعيش أول نهائي في مسيرته الدولية، ليجمع النهائي بين خبرة أسطورة صنعت المجد، وطموح موهبة تسعى إلى كتابة تاريخها.

يمثل نهائي الأرجنتين وإسبانيا ذروة الصراع بين تراث كروي عريق يمثله ليونيل ميسي، وبين طموح متقد يجسده الجيل الصاعد بقيادة لامين يامال. وستظل هذه النسخة من المونديال عالقة في الأذهان بفضل التحولات التنظيمية والقصص الإنسانية التي ربطت الماضي بالحاضر عبر الصدفة والقدر. وبينما يترقب العالم صافرة النهاية، يظل السؤال حول مستقبل كرة القدم وتوازنها بين قيمتها الرياضية وضغوطها التجارية مفتوحاً للنقاش في الأوساط الرياضية العالمية.