كتاب

أ.د. مالك بن ربيع آل دحلان

بين جمهوريتين

أ.د. مالك بن ربيع آل دحلان

تاريخ النشر: 15 يوليو 2026 00:17 KSA

حوارات الطريف

AA

وصلتُ إلى واشنطن في هدأةٍ فرضها كأسُ العالم، وكأنَّ العالم كان يحتاجُ إلى استراحةٍ قصيرةٍ من اضطرابهِ. كانت البطولةُ السَّابقةُ في قطر، وهذه تُقَام أغلبها في الولايات المتَّحدة، فيما تحتفل الجمهوريَّةُ الأمريكيَّةُ بمرور مئتَين وخمسِين عامًا على إعلان استقلالِهَا.

لكنَّ السياسة لا تعرفُ صافرةَ نهايةٍ. وفي الوقت الذي كنتُ أصلُ فيه إلى واشنطن، كان مارك كارني، يغادر قمَّة حلف الناتو، متوجِّهًا إلى جدَّة، في أوَّل زيارة لرئيس وزراء كنديٍّ إلى المملكة، منذ ستة وعشرين عامًا. جاء يبحثُ في التجارة والاستثمار، والطَّاقة والمعادن، والذكاء الاصطناعيِّ، والتَّعليم؛ أي في التجارة البينيَّة بين القوى الوسطى، التي لم تعدْ تنتظر أنْ تمرَّ علاقاتها عبر مركزٍ واحدٍ. ومن واشنطن، بدت لي جدَّة شاهدةً هادئةً على تشكُّل

هندسةٍ دوليَّةٍ متغيِّرة؛ عالم لا يولد فوق أنقاض النِّظام القديم، بل يتشكَّل في شقوقه. ثمَّ جاءني خبرُ وفاةِ الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، ثمَّ خبرُ وفاةِ السناتور ليندسي غراهام. كانت واشنطن تحتفلُ بجمهوريَّتها. وكان العالمُ، في هدوءٍ، يودِّع جمهوريَّةً أُخرى: ذلك العالِم الذي وُلِد بعد الحرب الباردة، وآمن بأنَّ التجارة الحرَّة، والتنمية، والقانون، والمؤسَّسات العابرة للحدود قادرةٌ على تنظيم القوَّة. في عام 1995، تأسَّست منظَّمة التجارة العالميَّة، وتولَّى الشيخ حمد مقاليد الحُكم في قطر، وبدأ غراهام عمله في مجلس النُّواب الأمريكيِّ. كانا، على اختلاف موقعيهما، ابنَي حقبةٍ واحدةٍ. ثمَّ جاء الحادي عشر من سبتمبر، فتغيَّرت علاقةُ أمريكا بالعالِم الإسلاميِّ. وفي تلك المرحلة بدأتُ عملِي في منتدى أمريكا والعالم الإسلاميِّ، محاولًا مع آخرِين إبقاء باب الحوار مفتوحًا، بينما كانت أبوابُ الحربِ تتَّسع. ثمَّ جاءَ العراقُ، وتشظَّت المنطقة، وأصبح القانونُ، في أحيانٍ كثيرةٍ، تابعًا للقوَّة، بدل أنْ يكون ضابطًا لهَا. مثَّل غراهام وجهًا أمريكيًّا مؤثِّرًا لتلك المرحلة، بمواقفه من العراق، وإيران، وإسرائيل. أمَّا الشيخُ حمد، فاختار طريقًا عربيًّا مختلفًا. وجد نفسه يبنِي دولةً في لحظةٍ أصبحَ فيها الغازُ المسالُ سياسةً خارجيَّةً، والإعلام قوةً سياديَّةً، والتَّعليم والصحَّة استثمارًا في الإنسان، والدستور عقدًا جديدًا بين الدولة ومجتمعها، بينما كانت واشنطن تُعيد تعريف علاقتها بالعالم الإسلاميِّ من خلال الحربِ على الإرهاب. جمعَ الشيخُ حمد بين الثَّورة والثَّروة؛ ثائرًا على ضيق الممكن، وحكيمًا في تحويل الثَّروة إلى مؤسَّسات، والمؤسَّسات إلى نفوذٍ، والنفوذ إلى حضورٍ يتجاوزُ حجم الدَّولة. وقد يختلفُ النَّاسُ في بعض خياراتِهِ، لكن يصعب أنْ يختلفُوا في أنَّه ترك الخليجَ أوسعَ أفقًا، وأكثرَ ثقةً بنفسه، وأقدرَ على مخاطبة العالم من موقع الشَّراكة والنديَّة. وتذكَّرتُ، وأنا أتابعُ مراسم تشييعه، منتدى القانون في قطر، حين عملنا على وضع لَبنةِ «الالتزام العالميِّ بسيادة القانون». لم يكن المشروعُ يبحث عن انتصار طرفٍ، بل عن قاعدةٍ تلتزمُ بها جميعُ الأطراف. لكن الصَّواريخ، وهي تعبرُ سماء الدوحة يوم رحيله، بدت كأنَّها التَّعليق الأكثر قسوةً على المشروع الذي أفنَى جيله عمره في بنائه. ولهذا، بدا لي أنَّ التعزية وحدها لا تكفي. يليقُ بنا أيضًا أنْ نقول: شكرًا، يا شيخ حمد. وقبل أنْ أغادرَ واشنطن، مررتُ بنُصب مارتن لوثر كينغ. لم يبقَ في ذهني التِّمثال، بل ذلك الممر بين كتلتَين من الصَّخر. لعلَّ الأمم تعبِّر هكذا أيضًا؛ لا بقفزةٍ واحدةٍ، بل عبر ممرَّاتٍ تصنعها شقوق الماضي، حتى تصبح عتبةُ الأملِ بدايةََ طريقٍ جديدٍ. ونسألُ اللهَ أنْ يرحمَ الشيخَ حمد، وأنْ يوفِّق قادة الخليج جميعًا، ويبارك فيهم، ويجمع كلمتهم، فهم لا يرثُون رجالًا فحسب، بل يتسلًّمُون مسؤوليَّة العبور إلى العتبة التالية. الضبطُ يبدأُ في الطريف... وفي العالمِ يُختَبََر. * هامشٌ توضيحيٌّ: تحتفل الولايات المتَّحدة هذا العام بمرور 250 عامًا على إعلان استقلالها (1776–2026). وخلال زيارتي لواشنطن مررتُ بنُصب الدكتور مارتن لوثر كينغ الابن، قائد حركة الحقوق المدنيَّة، الذي استُلهم تصميمُه من عبارته الشَّهيرة: «من جبل اليأس، حجرٌ من الأمل»، ومن قولهِ: «إنَّ قوسَ الكون الأخلاقي طويلٌ، لكنَّه ينحني نحو العدالةِ».

مقالمقالات