كيف تتآكل القوة الناعمة للدول؟
لم يكن الجدل الدائر حول بعض ممارسات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب خلال بطولة كأس العالم لكرة القدم مجرد نقاش رياضي أو بروتوكولي، بل أعاد إلى الواجهة سؤالاً أعمق يتعلق بصورة الولايات...

كيف تتآكل القوة الناعمة للدول؟
نُشر هذا التقرير في 14 يوليو 2026، الساعة 23:20 بتوقيت المملكة العربية السعودية.
يناقش المقال مفهوم القوة الناعمة وأسباب تآكلها، مستنداً إلى الجدل المثار حول سلوك الرئيس الأمريكي أثناء بطولة كأس العالم الأخيرة.
AA
إن الجدل الذي أثير حول بعض تصرفات الرئيس دونالد ترمب في كأس العالم لم يقتصر على الجانب الرياضي أو البروتوكولي، بل طرح تساؤلاً أعمق حول صورة الولايات المتحدة دولياً. وقد تزامن ذلك مع نشر مقالات وتحليلات في صحف مرموقة تحمل عناوين مثل «نهاية القوة الناعمة الأمريكية» و«مفارقة كأس العالم»، مما يشير إلى أن ما يحدث قد يكون أكثر من مجرد جدل سياسي عابر، بل دليلاً على تآكل أحد أهم مصادر النفوذ الأمريكي.
وبغض النظر عن تباين الآراء حول مسؤولية إدارة معينة عن هذا التراجع، يظل التساؤل الجوهري: هل يمكن للقوة الناعمة أن تنهار؟ والإجابة إيجابية، لكنها لا تنهار كما تنهار الاقتصادات أو تُهزم الجيوش؛ فالقوة الناعمة تتآكل بصمت عندما تفقد الدولة جاذبيتها وقدرتها على الإقناع، حتى لو بقيت متوفرة على التفوق العسكري والاقتصادي.
وبالنسبة للولايات المتحدة، يصعب القول إنها فقدت قوتها الناعمة، فهي لا زالت تضم أفضل الجامعات، وتقود شركاتها ثورة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وتملك صناعة إعلامية وترفيهية تعتبر الأكثر تأثيراً في العالم. لكن هذه المقومات وحدها لا تكفي، لأن القوة الناعمة لا تُقاس بما تملكه الدولة، بل بما يشعر به الآخرون تجاهها. لقد بُنيت القوة الناعمة الأمريكية عبر عقود على صورة الولايات المتحدة باعتبارها دولة المؤسسات، والإعلام والتعليم المستقل، وحليفاً يمكن الوثوق به، ومدافعاً عن النظام الدولي، وبيئة تستقطب الكفاءات من مختلف أنحاء العالم. إلا أن هذه الصورة تعرضت خلال السنوات الأخيرة لاختبارات متتالية بفعل الاستقطاب السياسي الداخلي، والتشكيك في بعض التحالفات، والتوتر مع عدد من المؤسسات الدولية، وتشديد سياسات الهجرة، والاعتماد المتزايد على أدوات القوة العسكرية والعقوبات الاقتصادية. وهنا تكمن المفارقة، فالقوة الصلبة تستطيع أن تفرض سلوكاً، لكنها لا تستطيع أن تفرض إعجاباً. أما القوة الناعمة، فهي تجعل الآخرين يتبنون مواقفك لأنهم يثقون بك، لا لأنهم يخشونك. ولعل أهم ما تكشفه التجربة الأمريكية هو أن القوة الناعمة ليست رصيداً دائماً مضموناً، بل مشروع يحتاج إلى صيانة مستمرة. فالثقة تُبنى ببطء، لكنها قد تتراجع سريعاً إذا أصبحت الرسائل السياسية متناقضة، أو تراجعت مكانة المؤسسات، أو شعر الحلفاء بأن العلاقة لم تعد قائمة على الشراكة التي اعتادوها. ولا يعني ذلك أن القوة الناعمة الأمريكية انتهت، فمثل هذا الحكم يبدو متعجلاً.. فالولايات المتحدة ما زالت تمتلك من عناصر الجذب ما لا تمتلكه أي دولة أخرى تقريباً. لكن حتى أكبر قوة ناعمة في العالم ليست محصنة ضد التآكل إذا لم تُحسن إدارة صورتها، وتحافظ على انسجام سياساتها مع القيم التي تقدم نفسها من خلالها. أما الدرس الذي ينبغي أن تستفيد منه الدول الأخرى، فهو أن القوة الناعمة لا تُبنى بالحملات الإعلامية أو الشعارات أو استضافة الأحداث الكبرى وحدها، وإنما بالتعليم، والابتكار، والثقافة، واحترام المؤسسات، والوفاء بالالتزامات، وجودة العلاقة مع الحلفاء، والقدرة على كسب الثقة قبل كسب المواقف. لقد أثبتت التجارب أن القوة الصلبة قد تمنح الدول نفوذاً سريعاً، لكنها لا تمنحها بالضرورة مكانة مستدامة.. أما القوة الناعمة، فهي أبطأ في البناء، لكنها أطول عمراً وأكثر تأثيراً. ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت القوة الناعمة الأمريكية تتراجع، بل ما إذا كانت الدول تدرك أن المحافظة على جاذبيتها أصبح اليوم جزءاً من أمنها القومي. ففي عالم تتشكل فيه الانطباعات بالسرعة نفسها التي تنتقل بها المعلومات، قد يكون فقدان الثقة أخطر من فقدان القوة.. لأن الجيوش تستطيع حماية الحدود، أما السمعة فلا يحميها إلا السلوك.
ويعكس المقال أهمية الاستثمار في القوة الناعمة كجزء من الأمن القومي، خاصة في عصر المعلومات الذي تتشكل فيه الانطباعات بسرعة. ويشير إلى أن الحفاظ على السمعة والثقة الدولية يتطلب سلوكاً متسقاً مع القيم المعلنة، وهو ما قد يشكل تحدياً للإدارات المتعاقبة.
المصدر الأصلي: المدينة
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.