أسدل الستار على أضخم نسخة في تاريخ كأس العالم بمشهد غير مألوف: نهائي من طرف واحد، حيث سيطر البطل على المباراة تماماً وجعل منافسه عاجزاً عن أي هجوم حقيقي طوال أربعة أشواط.

تأتي هذه النسخة من كأس العالم في ظل جدل متنامٍ حول مستقبل البطولة وتأثير القرارات الإدارية والتحكيمية.

رغم حاجتها للوقت الإضافي لتسجيل هدف الفوز، لم تترك إسبانيا مجالاً للشك في جدارتها باللقب. منتخب منظم ومرن، يُجيد الاستحواذ والاسترداد السريع للكرة، وأخضع منافسيه تباعاً، وبلغ ذروة أدائه أمام فرنسا العنيدة ثم الأرجنتين حاملة اللقب.

أخذ الإسبان الكأس، واحتكروا ثلاثاً من الجوائز الفردية: الكرة الذهبية، القفاز الذهبي، وأفضل لاعب شاب. أما الحذاء الذهبي فذهب إلى كيليان مبابي بعشرة أهداف، بعدما انتزع أيضاً صدارة هدافي كأس العالم عبر التاريخ من ميسي.

وهكذا كتب المونديال السطر الأخير في رحلة ليونيل الطويلة: دموع حارة، وخسارة مخيبة، وأرقام أفلتت، واتهامات ثقيلة بمحاباة الأرجنتين في طريقها إلى النهائي.

ودّع ميسي الكأس أمام لامين يامال، الفتى ذي الجذور المغربية، الذي حمّمه «البولغا» رضيعاً خلال جلسة تصوير خيرية قبل تسعة عشر عاماً، كأن الصور القديمة كانت تسجل، من دون أن تدري، لحظة تسليم شعلة المستقبل.

ولإسبانيا مكانة خاصة في قلوب العرب، فهي دولة اعترفت بفلسطين، ورئيس حكومتها بيدرو سانشيز كان أكثر القادة الأوروبيين انتقاداً للاعتداءات الإسرائيلية. في المقابل، وقف الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، المقرب من نتنياهو، إلى جانب إسرائيل، بينما كان إيتمار بن غفير يدعو لانتصار الأرجنتين. لذلك رأى كثير من العرب في فوز إسبانيا انتصاراً للعدالة خارج الملعب.

لكن النسخة ستبقى أيضاً مونديالاً أضر فيه الفيفا بنفسه. قرارات «الفار» والتحكيم المثيرة، وشبهة التدخلات، وفضيحة البطاقة الحمراء للاعب الأمريكي فولارين بالوغون، وفترات «الترطيب» الإعلانية، أعادت إلى الذاكرة حقبة مظلمة ظن الجميع أن إنفانتينو، وريث تركة بلاتر، جاء ليمحو أثرها.

أما أمريكا، فقد جعلت التأشيرات وإجراءات الدخول والتفتيش جزءاً من صورة البطولة المضطربة. فقد مُنع الحكم الصومالي عمر عبد القادر أرتان من دخول البلاد، فضاع عليه أن يصبح أول حكم صومالي يشارك في كأس العالم، فيما أُوقف مهاجم العراق أيمن حسين في مطار شيكاغو وأُخضع للاستجواب قرابة سبع ساعات، بينما مُنع مصور المنتخب من العبور. ثم واجهت البعثة الإيرانية قيوداً على الدخول والتنقل دفعت اتحادها إلى تقديم شكوى للفيفا، وطالت مشكلات التأشيرات مشجعين وعاملين من المغرب ومصر والأردن والعراق ودول أخرى. وإلى جانب ذلك، تكررت الشكاوى من المبالغة في إجراءات التفتيش، وصعوبات النقل، وغلاء التذاكر والخدمات.

عربياً، جاء الحضور قياسياً بثمانية منتخبات، لكن الحصيلة كانت دون المأمول. كان منتخبا المغرب ومصر الاستثناء، حين بلغ أسود الأطلس ربع النهائي واستعاد بونو بطولاته أمام هولندا، فيما قدم الفراعنة منتخباً من قلب الناس، تحدث فيه حسام حسن وطاقم وطني بلسان «الغلابة»، وقادوا فريقاً استحق طريقاً أطول، قبل خروجه المثير للاعتراض أمام الأرجنتين.

ولا يمكن إغفال منتخب الرأس الأخضر، مفاجأة البطولة. في مشاركته الأولى، بلغ الأدوار الإقصائية دون هزيمة في المجموعات، وبدأ رحلته بتعادل تاريخي مع إسبانيا، وفي دور الـ32 أجبر الأرجنتين على الوقت الإضافي. منتخب من دولة صغيرة، لكنه أظهر شجاعة وتنظيماً كبيرين، وأثبت أن المونديال لا يزال يصنع الحكايات الملهمة.

ورغم أوجاع الخروج المبكر كان للسعودية تواجد مضيء: محمد العويس متصدياً باسلاً أمام الأوروغواي، وأرامكو شريكاً عالمياً للفيفا، وياسر الرميان حاضراً لافتاً في مراسم التتويج.

كما أن المنتخب السعودي ما زال الوحيد عربياً الذي نال ميدالية ملونة في بطولات الفيفا للمنتخبات الأولى للرجال على مدار التاريخ، منذ أحرز فضية بطولة القارات على كأس الملك فهد عام 1992. إنجاز وضع اسم الكرة السعودية في سجل عالمي لم يستطع أي منتخب عربي أن يشاركه فيه حتى اليوم، وصفحة مجيدة من تاريخنا الرياضي، تنتظر جيلاً جديداً يكتب إلى جوارها صفحات أخرى.

اقتصادالسعودية

مقالات أخرى للكاتب

تركت هذه النسخة من المونديال علامات استفهام كبيرة حول نزاهة التحكيم ودور الفيفا، في ظل اتهامات بالتدخل والتحيز. كما أبرزت البطولة التوترات السياسية العالمية، حيث تحولت المباريات إلى ساحة لصراعات رمزية. بالنسبة للعرب، يظل الحضور القياسي مؤشراً على النمو، لكن النتائج دون الطموح. أما مفاجأة الرأس الأخضر فتعيد الأمل للمنتخبات الصغيرة. ويبقى السؤال: هل ستتعلم الفيفا الدرس في النسخ المقبلة؟