لطالما شكلت كرة القدم مسرحًا للقصص الملهمة، لكنها أيضًا لم تخلُ من الجدل والاتهامات. ومن بين الأسئلة التي تتردد في المقاهي الرياضية والاستوديوهات التحليلية ومنصات التواصل: هل يمنح الفيفا النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي معاملة تفضيلية؟

ويرتبط هذا التساؤل بطبيعة العلاقة بين الأداء الرياضي والتسويق في كرة القدم الحديثة.

هذا السؤال لم يأت من فراغ، بل يغذيه شعور بعض من الجماهير بأن «البرغوث» الأرجنتيني يحظى بمعاملة تفضيلية، وسلطة معنوية داخل المستطيل الأخضر وخارجه، توجت بعديد من الجوائز الفردية التي يرى البعض أن غيره كان أولى بها في أعوام معينة. ولكن، هل هي مجاملة حقا أم أنها معادلة معقدة تشتبك فيها العاطفة بالصناعة والاستثمار؟

الفيفا ليست مجرد هيئة رياضية، بل هي مؤسسة تجارية ضخمة تدير صناعة تصل قيمتها لمليارات الدولارات. وفي عالم الاقتصاد، تحتاج أي علامة تجارية إلى وجه لامع يجذب المستثمرين والرعاة والجماهير.

ميسي ليس مجرد لاعب كرة قدم، بل هو أكبر علامة تجارية حية في تاريخ الرياضة. وجود ميسي في أي محفل، أو تتويجه بأية جائزة، يعني ملايين المشاهدات الإضافية، وتضاعف عقود الرعاية والإعلانات، وشغف جيل كامل من الشباب بمتابعة اللعبة وشراء قمصانها. بالنسبة للفيفا، استمرار ميسي على القمة هو استمرار لتدفق الأرباح، وضمان جاذبية اللعبة عالميا.

تبحث كرة القدم دائما عن الملك، الذي يتربع على عرشها ليصبح واجهة اللعبة عبر الأجيال، (مثل بيليه ومارادونا سابقا). ميسي - بأسلوبه الساحر وشخصيته الهادئة نسبيا بعيدا عن الفضائح - يمثل العنوان المثالي الذي ترغب الفيفا في تصديره للعالم كقدوة رياضية.

تتويج ميسي بلقب كأس العالم في قطر (2022) منح كرة القدم النهاية الهوليودية المثالية التي حلم بها عشاق اللعبة والمسؤولون عنها. هذه الصورة الأسطورية هي ما تحاول الفيفا الحفاظ عليه، وإظهاره دائما، لأنها ترفع من القيمة الروحية والتاريخية لبطولات الاتحاد الدولي.

يخلط بعض المنتقدين بين مجاملة الفيفا وبين أصوات المنظومة الكروية. فجوائز مثل الأفضل أو الكرة الذهبية تعتمد بشكل كبير على تصويت مدربي وقادة المنتخبات والصحافيين. وهؤلاء المصوتون بشر، يتأثرون بهالة اللاعب التاريخية، لذا يصوتون أحيانًا لـ«ميسي التاريخ والتراث» بدلاً من إحصائيات الموسم.

لا يمكن إنكار أن هذا الدعم المعنوي والترويجي الهائل لميسي قد ألقى بظلاله على لاعبين آخرين قدموا مواسم استثنائية. في تلك اللحظات، يرى المشجع المحايد غيابا لمعايير العدالة الصارمة لصالح الكاريزما والتأثير الجماهيري.

ما يسميه البعض مجاملة، يراه خبراء التسويق والاستثمار ذكاء تسويقيا، وعبقرية البيع، ويراه عشاق الرومانسية الكروية تتويجا عادلا للموهبة الأرقى في التاريخ. والفيفا لا تجامل ميسي لشخصه فقط، بل تجامل فيه صورتها، وأرباحها، والقصة الجميلة التي تريد لمليارات البشر أن يواصلوا تصديقها، وشغفهم بها، قصة أن كرة القدم ما زالت قادرة على إنجاب السحرة والمبدعين والنجوم.

** **

- كاتب من الأردن

وبينما يستمر الجدل حول تفضيل ميسي، يظل نجاحه التجاري ورمزيته الرياضية محوريين في استراتيجية الفيفا. فمع كل جائزة يعاد طرح السؤال، مما يكشف عن تداخل العوامل الرياضية والتسويقية في تشكيل صورة اللاعبين ومسيرتهم.