مع تصدر الشاشات الرقمية كمصدر أساسي للمعلومات، يبرز تساؤل مهم حول التمييز بين مفهومي الشخصية المشهورة والاعلامي المحترف، رغم تشابههما في حجم الجمهور والمتابعين.

تأتي هذه النقاشات في وقت تشهد فيه صناعة الإعلام والنشر تحولات متسارعة فرضتها التقنيات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي.


- صدمة الأرقام في سوق الإعلانات

وسط معطيات السوق الإعلاني الحالية، كانت التوقعات تشير إلى بلوغ أسعار الإعلانات مستويات مرتفعة تتجاوز مئة ألف ريال للإعلان المنفرد. غير أن المفاجأة تمثلت فيما أفاد به أحد الزملاء الإعلاميين عن تدني أجور بعضهم لتصل إلى 200 ريال مرفقة بوجبة ضيافة خلال تغطية الفعاليات، وهو ما يخص عادة من يفتقرون لقاعدة جماهيرية ضخمة.


- فالمعلن في كثير من الأحيان يفضل استدعاء أكبر عدد ممكن من الحضور لضمان انتشار الإعلان لوجهات وشرائح مختلفة. وفي المقابل، تختلف أسعار المشاهير من شخص لآخر بناءً على قوة تأثيره، حجم تفاعله، وعدد متابعيه، في ظل غياب ضوابط وأسعار محدودة ومؤطرة لسوق الإعلانات.

شهد قطاع الإعلانات في المملكة تحولات جذرية بفضل هيمنة المنصات الرقمية. وعلى الرغم من هذا الاتساع، يتعذر إطلاق وصف صحفي أو إعلامي على بعض المشاهير؛ لعدم قدرتهم على صياغة تقارير مهنية أو إجراء حوارات صحفية متزنة، فضلاً عن افتقارهم لمنصات متخصصة تغطي الشأن الإعلامي بشمولية.


- إن العمل الإعلامي يعتمد في جوهره على المهنية، الأمانة الصحفية، والمسؤولية الأخلاقية والاجتماعية. فالإعلامي الحقيقي يُخضع أدواته للتحقق والتقصي، ويسعى لنقل الحقيقة وتوعية المجتمع ونقد القضايا من منظور المصلحة العامة.


- أما «الشهرة» بمفهومها الرقمي الحديث، فتعتمد غالباً على جذب الانتباه، وصناعة الترفيه، أو مشاركة تفاصيل الحياة اليومية. قد يستطيع المشهور حشد ملايين المتابعين بفضل محتوى تفاعلي بسيط، لكن هذا لا يجعل منه صانع رأي عام بالمعنى المنهجي أو الصحفي؛ فالنجاح السريع واللحظي غالباً ما يزول بنفس السرعة، بينما البناء التراكمي القائم على الأثر هو ما يدوم.


- ينقسم المشاهير فيما يقدمونه؛ فمنهم من يقدم محتوى رائعاً وقمة في الفائدة، ومنهم من يقدم محتوى هزيلاً ولا قيمة له، بينما اختار فريق ثالث الإمساك بالعصا من المنتصف.

يمثل قطاع الإعلانات فرصة عمل مشروعة ومتاحة للجميع لمن اكتسبوا ثقة متابعيهم، شريطة ألا يتم تحقيق تلك المكاسب عبر ممارسات التضليل والكذب وتزييف الحقائق.


- والإعلامي الرزين هو من يحترم مهنته، ولا ينجرف وراء إعلانات يعلم أنها لا تقدم ولا تؤخر؛ فالمال ليس كل شيء. وأعرف شخصياً عدداً من الزملاء الإعلاميين ممن يملكون قاعدة جماهيرية كبيرة جداً، لكنهم لم ينجرفوا وراء السعي المادي، ولم يرتضوا لأنفسهم حضور مناسبات لا تضيف لرصيدهم المهني شيئاً سوى «دراهم معدودة وأكلة طيبة»!


- لقد فتحت المنصات الرقمية باباً واسعاً للمواهب؛ فهناك من برز وقدم اسمه بشكل رائع وممتاز، وهناك من سقط في مستنقع الإغراء المالي، وفقد قيمته أمام نفسه وأمام المجتمع.


- ختاماً، كل إعلامي ناجح هو بالضرورة شخصية مشهورة أو معروفة في مجاله، لكن ليس كل مشهور على المنصات الرقمية يُعد إعلامياً. فالشهرة نتاج ذيوع وانتشار، بينما «الإعلام» مهنة ورسالة وضوابط.

يؤكد هذا النقاش أهمية وضع أطر تنظيمية واضحة لسوق الإعلانات الرقمية لضمان حقوق العاملين والحد من الممارسات العشوائية. كما يبرز الحاجة الملحة لحماية المهنية الصحفية في مواجهة التراجع المحتمل للمعايير التحريرية تحت ضغط الرغبة في الانتشار السريع. ويتعين على المتابعين والمستهلكين التحلي بالوعي الكافي للتمييز بين المحتوى الهادف والمواد الترويجية السطحية. وتظل المهن الإعلامية محتاجة إلى تقييم مستمر لمواكبة التغيرات المتلاحقة في اقتصاديات الترويج والمحتوى الرقمي.