بليلة "يد الرب" لمارادونا.. تفاصيل مؤثرة لقصة حب زوج من طرفي العالم
لم تكن تلك المباراة السبب الوحيد الذي جعل أوليفر يتذكر ذلك اليوم، إذ التقى خلاله بحب حياته، صوفيا لارينوا. وقال: "أن تكون في أزتيكا خلال مباراة "يد الله" عام 1986، ورغم خسارة إنجلترا، وجد أحدنا الآخر".

في 22 يونيو/حزيران 1986، دخل أوليفر كراكتون ملعب أزتيكا في المكسيك، حيث استقبلته هتافات الجماهير من مشجعي إنجلترا والأرجنتين. ووصف الأجواء لشبكة CNN قائلاً: "كانت أجواء احتفالية رائعة".
وتعد مباراة إنجلترا والأرجنتين في كأس العالم 1986 من أبرز المواجهات في تاريخ البطولة، ليس فقط بسبب هدف مارادونا المثير للجدل، بل أيضاً لما حملته من قصص إنسانية.
واستضاف الملعب الشهير، الذي يقع على ارتفاع 2241 مترًا فوق مستوى سطح البحر، مباراة إنجلترا والأرجنتين في ربع نهائي كأس العالم 1986، المواجهة التي خلّدها هدف دييغو مارادونا المثير للجدل، "يد الرب"، وخروج إنجلترا من البطولة.
غير أن تلك المباراة لم تكن الوحيدة التي جعلت أوليفر يخلد ذكراها، فقد التقى خلالها بحب حياته، صوفيا لارينوا. وأضاف: "أن تكون في أزتيكا خلال مباراة ’يد الرب‘، ورغم خسارة إنجلترا، وجد أحدنا الآخر".
في ذلك الوقت، كان أوليفر شابًا يعيش شمال لندن ويعمل في المجلس المحلي. وبعد نقاش مع أصدقائه حول فرص إنجلترا في كأس العالم، قرر السفر إلى المكسيك مع صديقه آندي، رغم أن الرحلة بدت مكلفة وبعيدة المنال.
وقال: "اتفقنا على أنها ستكون رحلة العمر، وهذا ما حدث بالفعل".
وقبل السفر، خسر أوليفر المال الذي دفعه بعد إفلاس وكالة السفر التي حجزت له الرحلة، ما اضطره إلى بيع سيارته لتغطية التكاليف الجديدة. وفي النهاية، وصل إلى المكسيك، حيث كانت تنتظره صدفة غيّرت مسار حياته.

قبل مباراة ربع النهائي، كان أوليفر كراكتون وصديقه آندي يتجولان في مدينة مكسيكو، وراود أوليفر أمل بأن تحمل له الرحلة قصة حب. فبحسب ما يروي: "كان الجميع ودودين، وكانت المباريات تضم عائلات والكثير من النساء. وتبادر إلى ذهني أنه ربما تكون لديّ فرصة للقاء شخص ما، لكن ذلك كان على الأرجح مجرد أمنية".
وصل أوليفر وصديقه آندي مبكرين إلى ملعب أزتيكا، وجلسا وسط مشجعي إنجلترا بدلاً من مقعديهما المحددين. وهناك، لاحظ أوليفر ثلاث فتيات يتحدثن الإسبانية ويرتدين قمصان المنتخب الإنجليزي. وبعد أن بدّلن مقاعدهن عدة مرات، استقررن في الصف نفسه.
وقال: "كان لديّ ثقة بأنه سينتهي بهنّ المطاف هنا. وبالفعل حدث ذلك".
وبدأ الحديث مع صوفيا بعدما اكتشف أنها تشجع مانشستر يونايتد، وشعر منذ اللحظة الأولى بانجذاب نحوها.
لكن أجواء المباراة سرعان ما توتّرت بسبب المنافسة التاريخية بين إنجلترا والأرجنتين، التي ازدادت حدة بعد حرب فوكلاند.
وقال أوليفر: "كان بإمكانك رؤية المشاجرات وحرق أعلام إنجلترا. لم يكن هناك فصل بين الجماهير، وبدأ بعض الأرجنتينيين يندفعون نحونا. وقفت، ولم أكن قوي البنية، لكنني فكرت في حماية صوفيا وصديقاتها".
وانتهى التوتر من دون تصعيد، وبدا أن صوفيا قدّرت موقفه. ومع انطلاق المباراة، تقاسما الحماس والقلق، لتبدأ بينهما قصة حب غير متوقعة.
لقاء غيّر حياتهما

كانت صوفيا لارينوا، المكسيكية في العشرينيات من عمرها، تنتظر كأس العالم 1986 بحماس.
وقالت لـCNN: "كنت أنهي دراستي الجامعية، ولم أكن بعلاقة عاطفية. كنت سعيدة بكوني عزباء لأنني كنت متحمسة جدًا لكأس العالم".
وقبل البطولة بعام، التقت بالصدفة لاعبي منتخب إنجلترا، بينهم غاري لينيكر، ما عزّز ارتباطها بإنجلترا الذي بدأ منذ طفولتها بعد مشاهدة فيلم "ميلودي".
وقالت: "خرجت من السينما وأنا أفكر بأني أريد الذهاب إلى إنجلترا".
أصبحت صوفيا من مشجعي مانشستر يونايتد، وحرصت على حضور مباراة إنجلترا والأرجنتين. وبعد انتقالها من مقاعد المشجعين الأرجنتينيين بسبب التوتر، جلست قرب أوليفر كراكتون وصديقه آندي، واكتشفت أنها تشاركه حب النادي الإنجليزي.
وقالت: "كان اكتشاف اهتمامنا المشترك بكرة القدم نقطة إيجابية كبيرة".
ومع تصاعد التوتر في المدرجات، طمأنها أوليفر بأنه سيحميها، فقالت لنفسها: "يا إلهي، هذا (تصرّف) لطيف جدًا".
وأضافت: "شعرت بأن وجودي بجانب هذا الرجل أمر جميل جدًا.. شعرت وكأنني في موطني".
ليلة لا تُنسى
في الشوط الثاني، سجل دييغو مارادونا هدف "يد الرب" المثير للجدل، وقالت صوفيا: "الجميع رأى "يد الرب"، باستثناء الحكم". وانتهت المباراة بفوز الأرجنتين 2-1 وخروج إنجلترا.
ورغم الخسارة، بدأ التقارب بين أوليفر وصوفيا. وقال أوليفر: "كنا منزعجين بسبب الخسارة، لكن سعداء لأننا التقينا".
بعد المباراة، تجولا في مدينة مكسيكو، ووقّعت صوفيا على قبعة أوليفر. ورغم رفضها تقبيله في نهاية الأمسية، اتصل بها بعد أيام ودعاها إلى العشاء.
وقالت: "فكرت: أنا معجبة بهذا الرجل حقًا".
وتحوّل الإعجاب إلى حب، وقالت: "قبلني في النهاية، وكان الأمر جميلًا، وبدأنا نقع في الحب".
وعند الوداع في المطار، أهدته سوارها الذهبي، بينما منحها منديلًا كان بحوزته.
وقال أوليفر: "احتفظت بسوارها، واحتفظت هي بالمنديل".
وتعاهدا على البقاء على تواصل، وبدأت صوفيا الادخار لزيارته في إنجلترا.
حب عبر قارتين

لم يكن الحفاظ على علاقة بين قارتين عام 1986 سهلًا، إذ اعتمد تواصل لارينوا وكراكتون على الرسائل والمكالمات الهاتفية.
وقالت صوفيا: "كنا نتكاتب، وكانت الرسائل تستغرق بين ستة وثمانية أسابيع للوصول، إذا وصلت أصلًا. وكان كثير منها يضيع في البريد، وكانت المكالمات مكلفة جدًا".
وأضاف أوليفر: "لم يكن بإمكاننا الاتصال يوميًا، أو حتى كل أسبوع. كان علينا الاكتفاء بمكالمة واحدة شهريًا".
ورغم المسافة، حافظ الاثنان على علاقتهما، وسافرت صوفيا إلى إنجلترا عام 1987، حيث تحولت قصة الإعجاب إلى حب.
وقالت: "تحدثنا، واستمرت علاقتنا. لكنها أصبحت أعمق بكثير".
وتشاركا شغف السفر والموسيقى وكرة القدم، وشاهدا معًا مباراة لمانشستر يونايتد في ملعب أولد ترافورد.
وقال أوليفر: "كانت تلك أول تجربة لنا لمشاهدة مانشستر يونايتد معًا، وكانت رائعة".
وعندما طلب والدا صوفيا من أوليفر زيارة المكسيك للتعرف إليه، استغل الفرصة لطلب الزواج منها في موقع تيوتيهواكان الأثري.
وقال أوليفر: "جثوت على ركبتي وطلبت منها الزواج، لكنها لم تسمع".
وأضافت صوفيا: "قلت لأولي: هل يمكنك تكرار السؤال؟ فأعاده، وقلت نعم، وكانت لحظة سعيدة جدًا".
وخلال الزيارة، طلب أوليفر إذن والدها للزواج، لتتبدّد مخاوف العائلة.
وقالت صوفيا: "كانت عائلتي قلقة من أن أكون التقيت شخصًا عنيفًا، لكنهم التقوا أولي وأحبوه".
ثلاثة أعراس

احتفل أوليفر وصوفيا بزواجهما ثلاث مرات، إذ عقدا قرانهما مدنيًا في لندن عام 1989، ثم أقاما مراسم في كنيسة إنجلترا، أعقبتها بعد أربعة أيام مراسم كاثوليكية بحضور العائلة والأصدقاء، لتصبح صوفيا تحمل اسم زوجها "لارينوا-كراكتون".
وقال أوليفر: "تمكنت صوفيا من ارتداء فستان الزفاف مرتين". وأضافت صوفيا: "كان ذلك جميلًا فعلًا، أشبه بالحلم".
وبعد انتقالها إلى المملكة المتحدة، بدأت صوفيا حياتها مع أوليفر في هامبستيد، وسط أجواء فنية وثقافية.
وقالت: "كانت بداية حياتي مع أولي في بيئة رائعة".
وأضاف أوليفر: "كنا نرغب بالسفر معًا، والذهاب إلى الحفلات الموسيقية.. وبالفعل حققنا ذلك".
ورغم اشتياقها لعائلتها في المكسيك، أكدت صوفيا أنها حظيت بدعم والديها، وقالت: "كان من الصعب عليهما أن يسمحا لي بالرحيل، لكنهما كانا داعمين جدًا. كانت والدتي تقول: اذهبي وكوني حرة".
حياة مليئة بالنشاط في لندن

وأشارت صوفيا إلى أنّ "علاقة جميلة نشأت بين أمي وأولي. أما والدي، فعندما كان يحتضر اتصل بأولي وقال له إنه يحبه كثيرًا".
بعد انتقالها إلى لندن، عملت صوفيا، التي درست علوم الأغذية في المكسيك، في تطوير المنتجات، ثم أسست مشروعًا للمأكولات المكسيكية، وألفت كتبًا عن الطبخ، قبل إنشاء مدرسة مجتمعية لتعليم الطهي.
أما أوليفر، فواصل عمله في المجلس المحلي حتى تقاعده المبكر. واليوم، يعيش الزوجان حياة نشطة في لندن بين الأصدقاء والأنشطة المشتركة.
ويقول أوليفر: "نحن سعداء جدًا بحياة مليئة بالنشاط معًا".
وأضافت صوفيا: "نحب زيارة أماكن مختلفة، وتناول الإفطار في متجر المعجنات المفضل لدينا، والذهاب إلى الحانة، وبالطبع مشاهدة مباريات كرة القدم".
ومنذ لقائهما في كأس العالم 1986، واصل أوليفر وصوفيا تشجيع منتخب إنجلترا، رغم لحظات الخيبة.
وقالت صوفيا: "عشنا اللحظات المؤلمة عندما كان المنتخب يقترب من الفوز ثم يخسر".
وبعد 40 عامًا على لقائهما، عادا إلى ملعب أزتيكا مرتديين القميصين اللذين احتفظا بهما منذ مباراة إنجلترا والأرجنتين عام 1986.
وقال أوليفر: "احتفظ كل منا بالقميص الذي كان يرتديه قبل 40 عامًا.. لأنها كانت مباراة رائعة". وأضاف: "رغم خسارة إنجلترا، فإننا التقينا".
ولا يزال الزوجان يحتفظان بالسوار الذهبي والمنديل اللذين تبادلاهُما عند الوداع، إضافة إلى القبعة التي وقّعت عليها صوفيا يوم لقائهما.
وفي 22 يونيو/حزيران 2026، التقطا صورًا أمام ملعب أزتيكا، حيث لفتا انتباه الصحفي المكسيكي خوسيه لويس سيباخا، وانتشرت قصتهما على نطاق واسع.
وقالت صوفيا: "لم ندرك أن الجميع بدأ يحب القصة ويشاركها، وأننا حصلنا على ملايين المشاهدات عبر وسائل التواصل الاجتماعي".
وبعد انتشار القصة، حصل الزوجان على تذكرتين لحضور مباراة إنجلترا والمكسيك.
وقال أوليفر: "ذرفنا الدموع، كانت مفاجأة جميلة جدًا".
وأصبحت قصة أوليفر وصوفيا مثالًا على قدرة كرة القدم على جمع أشخاص من قارات مختلفة، بعدما بدأت بصدفة في واحدة من أشهر مباريات كأس العالم.
لحظة استثنائية بعد 40 عامًا

بعد أربعة عقود من لقائهما الأول، عاد أوليفر وصوفيا إلى ملعب أزتيكا لمشاهدة مباراة لإنجلترا، في لحظة أعادت إليهما ذكريات البداية.
وقالت صوفيا: "كانت تجربة لا تُصدق. عادت كل المشاعر والذكريات، وكأن الأمر حدث بالأمس".
وأضاف أوليفر: "شعرت وكأن الأمر حدث بالأمس، وعادت كل الصور والذكريات".
ورغم توتر المباراة أمام المكسيك، بقيت صوفيا داعمة لإنجلترا، وقالت: "بعد لقائي مع غاري لينيكر عام 1985، أصبح انتمائي لإنجلترا. لقد عشت هنا فترة أطول مما عشت في المكسيك، لذلك أشجع إنجلترا ومانشستر يونايتد".
وانتهت المباراة بفوز إنجلترا، ما جعل العودة إلى أزتيكا أكثر خصوصية.
وقال أوليفر: "كان رائعًا أن نعود إلى هناك. الأجواء مذهلة والناس ودودون جدًا".
وقبل مواجهة إنجلترا والأرجنتين في كأس العالم 2026، تمنى الزوجان فوز إنجلترا.
وقالت صوفيا: "أتمنى ألا تكون هناك ’يد رب‘ أخرى. أعتقد أن إنجلترا قادرة على الفوز".
وأضاف أوليفر: "آمل أن ننتقم ونصل إلى النهائي".
واختصرت صوفيا رحلتهما التي استمرت 40 عامًا بقولها: "لقد عشنا لحظات مذهلة كثيرة، وكل ذلك بدأ لأننا اغتنمنا الفرص".
وتظهر هذه القصة كيف يمكن للصدف أن تغير حياة الأشخاص في أبسط اللحظات. فقد اجتمع عشاق كرة القدم من مختلف الجنسيات في ملعب واحد، ليتحول التركيز من نتيجة المباراة إلى قصة حب جمعت بين شاب إنجليزي وفتاة أرجنتينية. وتبقى مباراة 'يد الرب' محفورة في ذاكرة عشاق الساحرة المستديرة، لكن لأوليفر وصوفيا فيها ذكريات أخرى لا تتعلق بكرة القدم فقط.
المصدر الأصلي: CNN بالعربية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.