غاب ميسي وغابت الأرجنتين.. وفرنسا من القمة إلى القاع
انتهت فعاليات كأس العالم، ذلك العرس الكروي الذي يترقبه عشاق المستديرة كل أربع سنوات، حيث تتصارع نخبة المنتخبات وتتلاقى الأساليب الكروية المختلفة في احتفالية فريدة. ورغم التوسع في عدد الفرق وإدخال تعديلات على النظام، حافظت البطولة على كثير من بهائها وجاذبيتها، غير أن المخاوف تبقى من تغليب الجانب التجاري على الفني في المستقبل، مما قد يكلف البطولة بعضاً من روحها والمتعة التي تعود عليها المتابعون.
تأتي هذه النسخة من البطولة في ظل متغيرات عديدة شهدها عالم كرة القدم، أبرزها اتساع رقعة المنافسة وارتفاع المستوى الفني لمعظم المنتخبات.
كرةقدم
بالنسبة للمباراة النهائية، لا يمكن القول إنها كانت أفضل خاتمة، لأن مستواها الفني لم يرقَ إلى تطلعات الجماهير لنهائي المونديال، على الرغم من أن المنتخب الإسباني نال اللقب بجدارة، بعد أن قدم أداءً متكاملاً طوال البطولة تُوج بلعب منظم وشخصية قوية على أرض الملعب.
في الجانب الآخر، بدت الأرجنتين مختلفة تماماً عن صورتها المألوفة لدى جماهيرها. مع غياب ليونيل ميسي، اتضح أثر ذلك بوضوح على أداء الفريق الذي اختفى كلياً في تلك الليلة: لا هجمات خطيرة، لا تسديدات، ولا أي شيء يُذكر، وكأن المنتخب فقد دفته الهجومية والذهنية مع غياب قائده وملهمه الأول.
لقد حمل ميسي منتخب بلاده على كتفيه لسنوات طويلة، وصنع الفارق في أصعب اللحظات، لكن الزمن لا ينتظر أحدًا، ولكل نجم موعد مع النهاية. ولهذا بدت الأرجنتين في كثير من فترات البطولة فريقًا يجتهد أكثر مما يبدع، ويقاتل أكثر مما يقنع، مع وجود لاعبين يملكون الحماس والرغبة، لكنهم لا يملكون الجودة التي اعتدنا رؤيتها في أجيال دييغو مارادونا، وماريو كيمبس، وغابرييل باتيستوتا، وغيرهم من الأساطير الذين صنعوا هيبة الكرة الأرجنتينية.
أما فرنسا، فهي قصة أخرى تستحق التوقف عندها. فقد توقعت، كما توقع كثيرون، أن تكون صاحبة الكلمة الأخيرة بعد المستويات الكبيرة التي قدمتها منذ انطلاق البطولة. بوجود كوكبة من النجوم يتقدمهم كيليان مبابي، إلى جانب أوليسي، وديمبيلي، ودويه، امتلك المنتخب الفرنسي كل المقومات التي تؤهله لاعتلاء منصة التتويج، لكنه سقط بصورة مفاجئة في الأمتار الأخيرة، ليؤكد أن كرة القدم لا تعترف بالأسماء وحدها، بل بمن يحسن التعامل مع لحظات الحسم.
وهنا يكمن الدرس الأكبر في هذه النسخة من كأس العالم؛ فلا يمكن لأي منتخب أن يبني طموحه على لاعب واحد مهما بلغت عظمته، كما أن كثرة النجوم لا تضمن النجاح، بل قد تتحول أحيانًا إلى عبء إذا غابت الروح الجماعية، أو تسللت الثقة المفرطة إلى نفوس اللاعبين. البطولات الكبرى تحسمها المنظومة قبل الأفراد، والعمل الجماعي قبل المهارات الفردية. في النهاية، تستحق إسبانيا كل التهاني بعد أن أضافت النجمة الثانية إلى سجلها، مؤكدة أنها كانت الأفضل والأكثر استقرارًا طوال البطولة. أما الأرجنتين، فرغم الخروج المرير، فإنها بحاجة إلى إعادة بناء حقيقية، لا إلى البحث عن ميسي جديد، بل إلى صناعة فريق جديد يعيد لها هيبتها ويكتب فصلًا جديدًا في تاريخها الكروي.
مقالات أخرى للكاتب
- الحكم المحلي بعد كأس العالم إلى أين؟
- 25 لاعبًا أجنبيًا من دوري روشن في كأس العالم
- لكل المتفاجئين بنتائج المنتخب
- شكراً للأسبان .. الأربعة كانت رحمة !
- بداية الانطلاقة للأخضر
تبقى الأرجنتين أمام مهمة إعادة بناء شاملة، لا تعتمد على فرد بعينه، بل على صناعة جيل جديد يعيد لها مكانتها. في المقابل، حافظت إسبانيا على استقرارها لتحصد اللقب الثاني في تاريخها، مؤكدة أن الاتساق والمنظومة هما أساس النجاح في كبرى المحافل. السؤال الآن: هل يستطيع المنتخب الأرجنتيني الاستفادة من دروس هذه الخسارة ليشرع في مرحلة جديدة؟
المصدر الأصلي: صحيفة الجزيرة
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.