اتحاد الكرة الجديد.. الطموح عالمي والعدالة مطلب - محمد بن عبدالله العتيق
تعيش الساحة الرياضية السعودية مرحلة فارقة بكل المعايير، بفضل الرعاية السخية من القيادة الحكيمة والاستثمارات الهائلة التي ساهمت في تحديث المنشآت الرياضية وجذب نخبة من أبرز نجوم العالم، حتى غدا الدوري السعودي محور اهتمام الجماهير ووسائل الإعلام عبر القارات. كما أن استضافة المملكة لكأس العالم 2034 تعد محطة تاريخية ترسخ مكانة الرياضة السعودية، لكنها في الوقت نفسه تضع مسؤولية مضاعفة على كافة المعنيين بالمنظومة الرياضية.
مع هذه النقلة النوعية، يبرز ملف العدالة والشفافية كأساس لاستدامة النجاح الرياضي.
ولأن الطموح أصبح عالمياً، فإن العدالة يجب أن تكون عالمية أيضاً، فلا يمكن لأي دوري أن ينافس أكبر الدوريات في العالم إذا لم تكن المنافسة فيه قائمة على الإنصاف، وتطبيق الأنظمة على الجميع دون استثناء أو تمييز. فالنجوم يصنعون الإثارة، والاستثمارات تصنع القوة، أما العدالة فهي التي تصنع الثقة، والثقة هي رأس المال الحقيقي لأي بطولة.
ومع قرب الانتخابات المقبلة للاتحاد السعودي لكرة القدم، تترقب الأوساط الرياضية مرحلة جديدة لا تقتصر على تغيير الأشخاص، بل تمتد إلى تطوير منظومة العمل بأكملها، وخصوصاً اللجان التي تشكل العمود الفقري للمنافسة، كلجنة الحكام ولجنة الانضباط ولجنة المسابقات، فهذه اللجان مطالبة بالعمل باستقلال تام والوقوف على مسافة واحدة من جميع الأندية، بعيداً عن أي ضغوط أو تأثيرات أو انحيازات.
إن العدالة لا تعني إرضاء الجميع، وإنما تعني تطبيق النظام على الجميع. ومن يبحث عن منافسة شريفة سيفرح بأي قرار عادل، حتى وإن كان ضد ناديه، لأنه يدرك أن العدالة هي الضمان الحقيقي لنجاح المنافسة. أما من يبحث عن الاستثناءات أو يتمنى أن تميل القرارات لمصلحة فريقه أو لاعبيه، فلن يرضيه أي نظام، لأن هدفه ليس العدالة، وإنما تحقيق المكاسب على حساب الآخرين، وهذا لا يخدم الرياضة ولا مستقبلها.
أضحت الساحة الكروية السعودية اليوم تحت مجهر العالم، وكل قرار يصدر فيها يخضع للمتابعة والتحليل. وفي زمن النقل المباشر ووسائل التواصل الاجتماعي، لم تعد الحقيقة حكراً على تقرير إعلامي أو مقال صحفي، بل بات الجميع يشاهد الوقائع لحظة بلحظة ويستطيعون تقييم مدى عدالة القرارات وشفافيتها. لذلك، فإن أي تباين في تطبيق اللوائح ينعكس مباشرة على صورة الدوري وسمعته.
ومن هنا، فإن تطبيق أنظمة الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) يجب أن يكون الأساس الذي تُبنى عليه جميع القرارات، سواء في الانضباط، أو التحكيم، أو المسابقات، دون اجتهادات قد تفتح باب التأويل أو تثير الشكوك. فالقانون لا يعرف اسم النادي، ولا حجم جماهيريته، ولا قوة حضوره الإعلامي، وإنما يعرف الواقعة فقط.
ولا يجوز أن يُعاقب نادٍ لأنه أقل حضوراً إعلامياً أو جماهيرياً، بينما يُتغاضى عن نادٍ آخر يمتلك نفوذاً إعلامياً أو جماهيرياً أكبر. فالخطأ واحد، والعقوبة يجب أن تكون واحدة. وعندما يشعر الجميع بأن النظام يُطبق على الجميع دون تمييز، ستزداد الثقة في الاتحاد ولجانه، وسينعكس ذلك إيجاباً على سمعة الدوري السعودي داخلياً وخارجياً.
وينطبق الأمر نفسه على اللاعبين، فلا ينبغي أن يكون أي لاعب، مهما بلغت شهرته أو قيمته الفنية أو جماهيريته، فوق النظام. فمن يخطئ يجب أن يُحاسب، ومن يتجاوز اللوائح يجب أن تُطبق عليه العقوبة، تماماً كما تُطبق على غيره. فالمساواة أمام النظام هي التي تمنح المنافسة قيمتها، وتجعل الإنجاز الرياضي مستحقاً بكل جدارة.
أما التحكيم، فهو أحد أهم مفاتيح نجاح أي دوري محترف. ولذلك فإن مسؤولية الاتحاد السعودي لا تقتصر على اختيار الحكام وتأهيلهم، بل تشمل أيضاً توفير البيئة التي تمكنهم من أداء عملهم بثقة واستقلالية، بعيداً عن الضغوط الإعلامية أو الجماهيرية أو الإدارية. وفي المقابل، فإن الحكم الذي يثبت وقوعه في أخطاء مؤثرة يجب أن يخضع للمحاسبة والتقييم، وأن تعلن لجنة الحكام ما يلزم من إجراءات بكل شفافية، بما يضمن تطوير المنظومة وحماية نزاهتها.
كما أن حماية الحكام لا تعني فتح الباب للإساءة إليهم أو التشكيك في ذممهم عبر المنصات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي. فالاعتراض على القرارات له قنواته النظامية، أما التجاوز والإساءة، فيجب أن يقابلهما نظام واضح وعقوبات رادعة تحفظ هيبة المنافسة وتحمي العاملين فيها.
ولجنة الانضباط مطالبة كذلك بأن تكون عنواناً للحياد والعدالة، فلا تُفرق بين نادٍ كبير وآخر صغير، ولا بين مسؤول يملك نفوذاً إعلامياً وآخر لا يملكه. فالأنظمة وُضعت لتطبق على الجميع، وأي استثناء يفقدها هيبتها ويضعف ثقة الشارع الرياضي بها.
إن الوصول إلى مصاف الدوريات العالمية لا يتحقق باستقطاب النجوم وحدهم، بل يتحقق حين يشعر الجميع بأن البطل توج لأنه كان الأفضل داخل الملعب، لا لأنه استفاد من استثناء أو مجاملة أو قرار غير منصف. وعندها فقط ستزداد قيمة البطولة، ويزداد احترام الجماهير والمستثمرين والإعلام العالمي للدوري السعودي.
إن المرحلة المقبلة تمثل فرصة حقيقية لبناء منظومة أكثر قوة وعدلاً، يكون فيها النظام هو المرجع الوحيد، وتكون العدالة فوق الجميع، وتكون المصلحة العامة فوق أي اعتبار. فبهذا النهج وحده سنحافظ على المكانة التي وصلت إليها الرياضة السعودية، ونمنح الدوري السعودي ما يستحقه من احترام وثقة، ليصبح بحق واحداً من نخبة الدوريات العالمية، ليس بما يملكه من نجوم فقط، بل بما يقدمه من عدالة ونزاهة واحترافية.
العربوشعوب الشرق الأوسط
إن ترسيخ مبادئ العدالة والمساواة في تطبيق الأنظمة يعزز ثقة الأندية والجماهير، ويجعل الدوري السعودي نموذجاً يُحتذى به إقليمياً وعالمياً. كما أن الاستثمار في استقلالية اللجان وشفافيتها يعد مفتاحاً لمواكبة المعايير الدولية. ومع اقتراب انتخابات الاتحاد، ستكون أنظار العالم الرياضي متجهة إلى كيفية تعامل المسؤولين مع هذه التحديات لضمان مستقبل مشرق للكرة السعودية.
المصدر الأصلي: صحيفة الجزيرة
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.