رقمية

نظرية الاتصال الخوارزمي.. الإعلام كما تراه المنصات

أصبحت الخوارزميات لاعبًا أساسيًا في العملية الإعلامية، حيث لم يعد المحتوى يصل إلى الجمهور بناءً على جودته فقط، بل على مدى توافقه مع معايير هذه الأنظمة الرقمية. هذا التحول هو أساس ما يُعرف بنظرية الاتصال الخوارزمي، التي ترى أن الخوارزميات لم تعد مجرد أدوات تقنية بل طرفًا فاعلاً يحدد رؤية الجمهور للمحتوى وتوقيت انتشاره.

مع تصاعد دور المنصات الرقمية كمصدر رئيسي للأخبار، وفقًا لتقارير دولية مثل تقرير معهد رويترز للأخبار الرقمية 2025، برزت الحاجة إلى نظريات تفسر التحول في آليات الوصول إلى الجمهور.

بينما اهتمت نظريات الاتصال التقليدية بالعلاقة الثلاثية بين المرسل والرسالة والمتلقي، تقدم النظرية الخوارزمية عنصرًا رابعًا هو الخوارزمية، التي أصبحت الأكثر تأثيرًا في توجيه تدفق المحتوى وتشكيل الرأي العام بدرجة كبيرة.

لقد غيّرت التقنية، والشبكات الاجتماعية، وأدوات الذكاء الاصطناعي، قواعد العمل الإعلامي بصورة جذرية، فأصبحت مهارات البحث عن المعلومات، وجمع المصادر، وصياغة المحتوى، وإنتاج الصور والفيديو، متاحة للجميع بدرجات متفاوتة بفضل الذكاء الاصطناعي.

من المفارقات أن تيسير عملية إنتاج المحتوى لم يُسهّل الوصول إلى الجمهور، بل زاد من تعقيد المنافسة، إذ لم يعد النجاح يقاس فقط بجودة الرسالة، بل بقدرتها على الامتثال لمعايير المنصات الرقمية التي تقرر أي المحتوى يستحق الانتشار وأيها يضيع في زحام الملايين.

وتؤكد الأرقام هذا التحول بوضوح، إذ يوضح تقرير معهد رويترز للأخبار الرقمية 2025 أن الاعتماد على الشبكات الاجتماعية ومنصات الفيديو للحصول على الأخبار يواصل الارتفاع، بينما يتراجع الاعتماد على الوسائل الإعلامية التقليدية، كما أن استهلاك الأخبار عبر الفيديو والمنصات الاجتماعية أصبح المحرك الرئيس لاكتشاف المحتوى لدى فئات الشباب.

في ظل هذا الواقع، تحول سؤال الإعلامي من 'كيف أكتب الخبر؟' إلى 'كيف أجعل الخوارزمية تمنحه فرصة الوصول؟'. فأصبحت عوامل مثل العنوان، الصورة، مدة الفيديو، توقيت النشر، معدل التفاعل المبكر، نوع التعليقات، ومدة مشاهدة المستخدم، كلها تؤثر في انتشار المحتوى. وهذا يفسر تفوق محتوى بسيط على تقرير إعلامي احترافي، لأن الخوارزمية تقيس الاهتمام أكثر من الجهد المهني.

ولا تعني نظرية الاتصال الخوارزمي أن الإعلام فقد قيمته المهنية، بل تؤكد أن قيمة الإعلامي انتقلت من إنتاج المحتوى فقط إلى فهم آليات توزيعه وتأثيره، فالإعلامي اليوم مطالب بأن يجمع بين الحس الإعلامي، وفهم سلوك الجمهور، وتحليل البيانات، وإتقان أدوات الذكاء الاصطناعي، والإلمام بكيفية عمل المنصات الرقمية.

إن المستقبل الإعلامي لن يكون للأسرع في نشر الخبر، ولا للأكثر إنتاجًا للمحتوى، بل لمن يفهم كيف تفكر الخوارزميات دون أن يتخلى عن مبادئ المهنة، فالخوارزمية قد تقرر من يشاهد رسالتك، لكنها لا تستطيع أن تصنع قيمتها أو مصداقيتها.

هنا يكمن التحدي الحقيقي للإعلام في عصر الذكاء الاصطناعي، أن نجعل التقنية وسيلة لتعظيم الأثر، لا بديلاً عن الفكر، وأن تبقى الخوارزمية أداة تخدم الرسالة الإعلامية، لا أن تتحول إلى من يكتبها ويحدد مسارها.

وتطرح النظرية تساؤلات حول مستقبل الصحافة المهنية في ظل هيمنة الخوارزميات. فبينما تتيح التكنولوجيا فرصًا جديدة للوصول، فإنها تفرض تحديات تتعلق بجودة المعلومات وتنوعها. وعلى الإعلاميين تطوير مهاراتهم لفهم آليات التوزيع الرقمي، دون التخلي عن المبادئ المهنية. ويبقى السؤال مفتوحًا حول مدى قدرة المؤسسات الإعلامية على الموازنة بين متطلبات الخوارزميات ورسالتها التحريرية.