ليس الخوف من المستقبل ظاهرة ولدت مع الذكاء الاصطناعي، بل هو شعور قديم رافق الإنسان منذ أن أدرك أن الزمن يحمل في طياته ما لا يستطيع أن يراه. فالإنسان يخاف المرض قبل أن يمرض. ويقلق على رزقه قبل أن ينقص. ويفكر في شيخوخته وهو لا يزال في ريعان شبابه. ويقلقه مصير أبنائه قبل أن يكبروا. إن المستقبل، بطبيعته، مساحة لا يملك الإنسان السيطرة الكاملة عليها. ومن هنا ينشأ القلق. لكن الذكاء الاصطناعي أحدث تحولًا جديدًا في هذا الشعور. فقد أصبح الإنسان يتلقى يوميًا سيلًا من التوقعات. تقارير عن الوظائف التي ستختفي. وتحذيرات من أزمات اقتصادية. وتوقعات بتغيرات مناخية. ودراسات عن أوبئة محتملة. وتحليلات عن حروب مستقبلية. ومع كثرة هذه الرسائل، قد يشعر الإنسان وكأنه يعيش مستقبلًا لم يقع بعد. وهذا في حد ذاته عبء نفسي كبير. إن العقل البشري لم يُخلق ليعيش في جميع الاحتمالات في وقت واحد، بل ليعيش الحاضر، ويستعد للمستقبل دون أن يغرق فيه. وعندما يتحول المستقبل إلى مصدر دائم للقلق، يفقد الإنسان القدرة على التركيز في مسؤوليته الحالية. ويصبح أسيرًا لسيناريوهات قد لا يقع أكثرها أبدًا. وهنا ينبغي أن نفرق بين أمرين: الاستعداد للمستقبل والانشغال المرضي بالمستقبل. الأول فضيلة. والثاني استنزاف للنفس. فالتخطيط يمنح الإنسان قدرة على العمل. أما القلق، فيسلبه هذه القدرة. ولهذا كان الإسلام يدعو إلى الأخذ بالأسباب، لكنه ينهى عن الاستسلام للهم الذي يشل الإرادة. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من الهم والحزن، ويعلِّم أصحابه أن القلب إذا امتلأ بالخوف من المجهول، ضعف عن أداء واجبه في الحاضر. ولذلك لم يكن التوكل في الإسلام انسحابًا من الحياة، بل تحريرًا للقلب من العبودية للمستقبل. فالإنسان يعمل اليوم بما يستطيع، ثم يسلم ما لا يملكه إلى الله. ومن الناحية النفسية، يفسر العلماء هذه الظاهرة بما يسمى «التحيز نحو التهديد». فالعقل ينتبه إلى الأخبار السلبية أكثر من الأخبار الإيجابية، لأنها ترتبط بغريزة البقاء. ولهذا تنتشر التوقعات المخيفة بسرعة أكبر من التوقعات المطمئنة. ويزداد انتشارها إذا جاءت مدعومة بالأرقام، أو الرسوم البيانية، أو بتقارير صادرة عن أنظمة ذكاء اصطناعي. فيظن القارئ أن كل احتمال مرتفع هو مستقبل محتوم. مع أن الفرق بينهما كبير. إن الذكاء الاصطناعي لا يصنع هذا الخوف. بل يكشفه. فهو يقدم البيانات.أما الإنسان، فهو الذي يفسرها. وقد ينظر إليها باعتبارها فرصة للاستعداد. وقد يراها إعلانًا عن نهاية العالم. والفرق بين النظرتين ليس في البيانات، بل في طريقة التفكير. ومن هنا تظهر قيمة الإيمان. فالإيمان لا يلغي التخطيط. ولا يرفض العلم. لكنه يمنع الإنسان من الوقوع في عبودية الاحتمالات. فالمؤمن يعلم أن المستقبل بيد الله. وأن الله أرحم به من نفسه. وأن ما كتبه الله له لن يخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. وهذا اليقين لا يعطل العمل، بل يمنحه الطمأنينة التي يحتاجها ليستمر في العمل. وقد شهد التاريخ البشري مئات التوقعات التي ملأت الناس خوفًا، ثم لم يقع منها شيء. وتوقعات أخرى سخر منها الناس، ثم تحققت. وهذا يعلمنا أن التعامل الناضج مع المستقبل لا يكون بالإنكار المطلق، ولا بالتصديق المطلق. بل بالميزان. نستفيد من التوقعات. ونراجعها. ونستعد لها. لكننا لا نجعلها تتحكم في قلوبنا. إن أعظم ما يقدمه الذكاء الاصطناعي للإنسان ليس أنه يخبره بما قد يحدث، بل إنه يمنحه فرصة أفضل للاستعداد. وأعظم ما يقدمه الإيمان للإنسان ليس أنه يكشف له المستقبل، بل إنه يمنحه السكينة وهو يسير نحوه. وعندما يجتمع الاستعداد العلمي مع الاطمئنان الإيماني، يصبح الإنسان أكثر قدرة على مواجهة الغد، دون خوف يشل إرادته، أو غرور يعمي بصيرته. ولذلك فإن القضية ليست في كثرة التوقعات. بل في قدرة الإنسان على التعامل معها بحكمة. فالخوارزمية قد تشير إلى الخطر. لكنها لا تستطيع أن تمنح الشجاعة. وقد تحسب الاحتمالات. لكنها لا تستطيع أن تغرس الأمل. وهاتان النعمتان تبقيان من أعظم ما يميز الإنسان الذي يعرف ربه، ويؤمن بأن المستقبل، مهما بدا غامضًا، يقع دائمًا تحت علم الله ورحمته. ومن هنا نصل إلى القاعدة التاسعة في هذا الفصل: الذكاء الاصطناعي لا يصنع الخوف من المستقبل، وإنما يقدم احتمالاته. أما طريقة استقبال هذه الاحتمالات، فهي التي تحدد ما إذا كانت ستصبح مصدرًا للحكمة والاستعداد، أم مصدرًا للقلق والاستسلام. والإيمان هو الذي يمنح الإنسان القدرة على الاستفادة من العلم دون أن يقع أسيرًا للخوف من المجهول.

الفلك

مقالات أخرى للكاتب