كتّاب الظل وكتابة المحتوى: مهنة تزدهر رغم التحديات
تتوسع ظاهرة كتابة المحتوى في الخليج، حيث يقدم كتاب الظل خدماتهم للباحثين والشركات، لكنهم يواجهون عقبات مثل غموض متطلبات العملاء وغياب التقدير.
منذ قديم الزمان، اشتهرت قصص عن شعراء يبيعون قصائدهم أو يكتبونها بأمر من أحدهم. وفي عصرنا الحالي، تواصلت تجارة المعرفة مع باحثين يعدون رسائل ماجستير ودكتوراه كاملة للزبائن مقابل مبالغ مالية، كما توظف بعض المكتبات أشخاصًا لكتابة بحوث وواجبات الطلاب وفق رغبة المدرسين.
في ظل الثورة الرقمية وتزايد الاعتماد على المحتوى التسويقي، باتت مهنة كتابة المحتوى من القطاعات المتنامية في العالم العربي.
وغير ذلك من القصص الكثيرة التي نراها أمامنا، والتي تُفتح فيها أبواب الأرزاق للباحثين والمُدققين اللغويين، وكُتّاب الظل البدلاء الأخفياء (الأشباح)، وغيرهم من أصحاب الأقلام على اختلاف مسمياتهم الذين ينشطون في مجالات الكتابة المتنوعة، ويقدمون المساعدة الأدبية لكثيرين ممن يقدمون لهم المكافأة المالية تقديرا لجهودهم في إنجاح رسائلهم الجامعية الأكاديمية، أو نشر كتبهم الثقافية للعلن، أو تحقيق التفوق في المسيرة الدراسية، أو إبراز منتجاتهم التسويقية والرفع من مستوى قيمة منشآتهم السوقية، إلى آخر ذلك من المميزات التي يقدمها هؤلاء «الأشباح» الذين يعشقون البقاء في الظل خلف الكواليس لتبقى مسيرة أعمالهم رابحة مستمرة.
انتشر ما يُعرف بـ"كتابة المحتوى" بكثرة خلال العقد الأخير، نظرًا لأهمية الهوية البصرية للمنشآت وحاجة الشركات للتواجد على وسائل التواصل للوصول إلى العملاء.
فقد أصبح التسويق ذا أهمية كبرى في تلك الشركات بدءا بالعناية بالعلاقات العامة، والكتيب التسويقي، ونوعية النشر المتنوع باختلاف مواقع التواصل الاجتماعي، وتحديد الجمهور المستهدف، وخدمات ما قبل البيع وأثناءه وبعده، والهاشتاغ المقترح، والجمل التسويقية الملهمة، وسيناريوهات إعلانات اليوم الوطني ويوم التأسيس ويوم العلم وغيرها من المناسبات السنوية
وغير ذلك من التفاصيل التي تبدأ بكتابة الفكرة، وتنتهي بكتابة كل شيء من أصغر التفاصيل إلى أكبرها، والتي تسببت بتأسيس وانتشار كثير من شركات كتابة المحتوى في دول الخليج، والتي أصبح بعضها مسؤولا عن كتابة المحتوى المحلي لمشاريع ضخمة.
قابل هذا الانتشار الواسع ظهور كتّاب ظل يعملون لحسابهم الخاص لأسباب متعددة، منها عدم حصولهم على وظائف في شركات المحتوى أو رغبتهم في العمل الحر، حيث يؤسسون مكاتب منزلية وينشرون صفحاتهم على وسائل التواصل بحثًا عن زبائن.
على الرغم من شغفهم بالكتابة، يواجه هؤلاء الكتّاب تحديات مع العملاء، أبرزها العميل الذي لا يعرف ما يريد، مما يجعل إرضاءه مستحيلًا لأنه يفتقر إلى البوصلة.
وهناك العميل الذي يعطي للكاتب رؤوس أقلام تخص عملا مستعجلا، ويختفي، ويترك الأمر «لنبوءة كاتب الظل»! الذي يبقى حائرًا ساهرًا حتى يحتار معه «الكيبورد» والطاولة واللابتوب، ولكي يكسب الوقت يحاول فك طلاسم الفكرة الناقصة التي وصلته، لعله يكمل نصف دينها بنص يستيقظ عليه العميل في اليوم التالي، ويرضى به.
وإذا لم تكن النتيجة الرضا، فهناك رحلات ترددية أخرى مملوءة بالإعادة والحذف والتعديل والإضافة، أو ربما كتابة العمل من جديد كاملًا! وعندما يناقشه الكاتب لا يجد مبررات مقبولة! بل هي حيرة العميل التي جعلت الكاتب يرتطم بالحائط، ويصبح رجاه أن ينتهي هذا العمل بسلام تُحفظ فيه حقوق الجميع، ويُقدر فيه مجهود الكاتب.
أما العميل الذي يحكم على العمل من دون أن يطلع عليه اطلاعا دقيقا فهذا العميل سبب في ارتفاع الضغط والسكر والصداع وجميع مكدرات الحياة، والغريب أنه يملك ثقة عجيبة بنفسه حتى يفاجأ أن ما طلب إضافته موجود أصلا في النص الذي لم يطلع عليه!
وهناك العميل الذي ينطبق عليه قوله تعالى {وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} (هود: 86)، فيعتقد أن الكتابة السريعة والإنجاز الفوري سبب في بخس الكاتب حقه، ومنحه القليل من المال! ولا يدري أن الكتابة -كما بقية الأعمال والمجالات- عملية تراكمية عبر السنين، وتسهم خبراتها في إنجاز بعض الكتابة بشكل سريع لا يعفيه من منح حقه الذي يستحقه كاملًا.
ونختم بالعميل المتفهم الذي ينطبق عليه المثل الشعبي «أعط الخباز خبزه، حتى لو أكل نصفه» فيترك لأهل الاختصاص اختصاصهم، ويطالب فقط بتطبيق بعض الأفكار والتوجهات والمفاهيم (الخط التحريري) في النصوص المطلوبة، ثم يترك للكاتب (الخيط والمخيط) كما يقال، ليشرع في إتمام طبخة الكتابة، ويتجلى في تذوق سردية النص حتى يكتمل نضجه الأدبي، فيقدمه على طبق من قلم للعميل المتميز الجميل.
تظهر هذه الظاهرة تحولًا في سوق العمل نحو الاقتصاد الرقمي، حيث يبرز دور الكتّاب المستقلين. إلا أن غياب التنظيم وحماية حقوق الكتّاب قد يؤدي إلى استغلالهم. من جهة أخرى، يعكس تزايد الطلب على المحتوى أهمية الهوية البصرية والتسويق للشركات. كما أن التحديات التي يصفها الكتّاب تشير إلى حاجة العملاء لوضع رؤية واضحة قبل التعاقد. مستقبلًا، قد تنشأ منصات رسمية لتنظيم هذه المهنة وحماية الطرفين.
المصدر الأصلي: صحيفة الجزيرة
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.