مراهنة اليابان على الذكاء الاصطناعي: هل يمكن للتكنولوجيا تعويض تكاليف مجتمع الشيخوخة؟
من الشبكات تحت الأرض إلى الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، تختبر اليابان ما إذا كانت مشكلتها الكبرى يمكن أن تتحول إلى فرصة.
بقلم مها ماتسومورا
نُشر في 21 يوليو 202621 يوليو 2026
طوكيو، اليابان – تحت أبراج الأعمال في منطقة أوتيماشي بطوكيو، تجرى تجربة لمعرفة ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في حل أحد أكبر التحديات الاقتصادية في اليابان: تقلص القوى العاملة.
في أعماق الأرض، تدير شركة مارونوتشي للحرارة والإمداد شبكة بطول 30 كيلومترًا (18.6 ميلًا) من أنابيب التدفئة والتبريد التي تخدم المكاتب والمباني التجارية ومرافق النقل في واحدة من أهم مناطق الأعمال في اليابان. تستخدم الشركة الآن الذكاء الاصطناعي لإدارة هذه البنية التحتية المعقدة بهدف الانتقال إلى عمليات أكثر أتمتة بحلول عام 2027.
تم تطوير المشروع بالتعاون مع شركة Preferred Networks المتخصصة في الذكاء الاصطناعي ومقرها طوكيو، ويستخدم PlantPilot، وهو نظام ذكاء اصطناعي تدرب على بيانات التشغيل التاريخية وخبرات المهندسين المتمرسين. من خلال تحليل معلومات الاستشعار والتنبؤ بالظروف المستقبلية، يقدم النظام توصيات تهدف إلى تحسين الكفاءة مع الحفاظ على عقود من المعرفة التقنية المتراكمة.
بالنسبة لليابان، الدولة التي تتصدر العالم في مجال الشيخوخة، يمثل المشروع أكثر من مجرد ترقية للبنية التحتية. إنه يعكس استجابة أوسع لأزمة ديموغرافية تعيد تشكيل ثالث أكبر اقتصاد في العالم.
وقال هيديتاكا ياجي، مساعد المدير العام لقسم التطوير والهندسة في مارونوتشي: "أكبر تحدٍ نواجهه هو تأمين الموظفين المهرة. مع تقاعد العمال ذوي الخبرة، نواجه خطر فقدان المعرفة التشغيلية القيمة. يمكن للذكاء الاصطناعي المساعدة في الحفاظ على هذه الخبرة ونقلها إلى الجيل القادم."
الهدف هو استخدام الذكاء الاصطناعي لحل المشكلات الحقيقية
خلقت شيخوخة السكان في اليابان نقصًا في العمالة عبر الصناعات، من التصنيع والخدمات اللوجستية إلى الطاقة والرعاية الصحية. على عكس المخاوف في بعض الدول من أن الأتمتة ستحل محل العمال، تضع اليابان الذكاء الاصطناعي بشكل متزايد كشريك – أداة لتوسيع القدرات البشرية بدلاً من إلغائها.
تعكس تجربة مارونوتشي هذا النهج. الهدف ليس إزالة المهندسين من عملية اتخاذ القرار، بل الجمع بين الخبرة البشرية وقدرة الذكاء الاصطناعي على معالجة كميات كبيرة من البيانات ودعم قرارات أسرع وأكثر كفاءة.
ومع ذلك، فإن تحدي الذكاء الاصطناعي في اليابان يتجاوز تحسين الأنظمة الحالية. تسعى البلاد أيضًا إلى إعادة بناء موقعها في سباق التكنولوجيا العالمي الذي واجهت فيه صعوبة في مواكبة الولايات المتحدة والصين.
تحاول اليابان استخدام التكنولوجيا للاستجابة للانحدار الديموغرافي مع خلق نموذج للابتكار يناسب ظروفها الخاصة [مها ماتسومورا / الجزيرة]
على الرغم من سمعتها كقائدة تكنولوجية، أنتجت اليابان عددًا قليلاً نسبيًا من شركات التكنولوجيا الرقمية ذات التأثير العالمي. تمتلك الولايات المتحدة حوالي 690 شركة ناشئة وحيدة القرن – شركات خاصة تزيد قيمتها عن مليار دولار – بينما تمتلك الصين حوالي 160 شركة. اليابان لديها حوالي ثماني شركات فقط من هذا القبيل، مما يسلط الضوء على الفجوة بين سمعتها التكنولوجية ونظامها البيئي للشركات الناشئة.
إحدى الشركات التي تهدف إلى تغيير هذه الصورة هي Sakana AI، إحدى الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي الأكثر متابعة في اليابان. ومقرها في طوكيو، توسعت الشركة بسرعة، حيث نمت من حوالي 50 موظفًا إلى 150 خلال عام. انتقلت إلى ما هو أبعد من الأبحاث إلى التطبيقات التجارية، وأطلقت منتجات مثل Sakana Chat وSakana Marlin وSakana Fugu.
بالنسبة لرين إيتو، رئيس Sakana AI، لا ينبغي أن يستند مسار اليابان نحو الريادة في الذكاء الاصطناعي إلى مجرد نسخ وادي السيليكون.
وقال إيتو: "إذا حاولنا منافسة الشركات الأمريكية بنفس الطريقة تمامًا، فلن ننجح. تحتاج اليابان إلى تطوير أفكار مختلفة، وجذب باحثين موهوبين، وخلق نهج جديدة للابتكار."
جادل إيتو بأن مستقبل الذكاء الاصطناعي لن ينتمي فقط إلى الدول التي تنفق أكبر قدر من المال لبناء أكبر النماذج. يتطلب تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة موارد هائلة حيث تستثمر الشركات الأمريكية مثل OpenAI وGoogle وAnthropic بكثافة في البنية التحتية للحوسبة والبحث.
وبدلاً من ذلك، قال إن ميزة اليابان يمكن أن تأتي من كيفية تطبيق الذكاء الاصطناعي على المشكلات الواقعية.
وقال إيتو: "الهدف ليس إعادة إنشاء OpenAI في اليابان. الهدف هو استخدام الذكاء الاصطناعي لحل المشكلات الحقيقية."
تعكس هذه الرؤية قوة يابانية تقليدية: تكييف التكنولوجيا وتحويلها إلى حلول عملية. بدلاً من التركيز فقط على بناء نماذج ذكاء اصطناعي كبيرة، يمكن لليابان الاستفادة من خبراتها في قطاعات مثل الطاقة والتصنيع والرعاية الصحية من خلال دمج الذكاء الاصطناعي في الصناعات القائمة.
تضع الحكومة اليابانية أيضًا الذكاء الاصطناعي في صميم استراتيجيتها الاقتصادية. تخطط طوكيو لتعبئة حوالي 370 تريليون ين (2.3 تريليون دولار) من الاستثمارات العامة والخاصة بحلول عام 2040، مستهدفة الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والأبحاث المتقدمة.
ومع ذلك، قد لا يكون الاستثمار وحده كافيًا لاستعادة النفوذ التكنولوجي لليابان. ضعف الموقع البحثي للبلاد في السنوات الأخيرة، مع تحديات تشمل ضغوط التمويل، والمنافسة على المواهب، والحاجة إلى تعزيز الجامعات والمؤسسات البحثية.
بالنسبة لصانعي السياسات، الدرس واضح: تعتمد الريادة في الذكاء الاصطناعي ليس فقط على التكنولوجيا والاستثمار، بل أيضًا على تطوير الباحثين والمبتكرين والجيل القادم من المواهب العلمية.
لذا، فإن استراتيجية اليابان للذكاء الاصطناعي مدفوعة بالضرورة والطموح. تحاول البلاد استخدام التكنولوجيا للاستجابة للانحدار الديموغرافي مع خلق نموذج للابتكار يناسب ظروفها الخاصة.
قد لا يوفر الذكاء الاصطناعي حلاً كاملاً للضغوط الاقتصادية في اليابان، لكنه أصبح أداة حاسمة في مساعي البلاد للبقاء منتجة وتنافسية وقادرة على الصمود في عصر التغيير العميق.
المصدر الأصلي: الجزيرة
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.