إعلانات غامضة وأسعار خيالية: ما حقيقة مزاعم الاتجار بالأطفال عبر "فينتد"؟
انتشرت مزاعم على منصات التواصل تقول إن إعلانات غامضة على تطبيق "فينتد"، تضمنت أسعاراً باهظة وكلمات مريبة، قد تكون غطاءً للاتجار بالأطفال. قام فريق بي بي سي لتقصي الحقائق بتتبع الأدلة المتداولة ليتبيّن وجود فجوة كبيرة بين ما تظهره الصور والاستنتاجات التي بُنيت عليها.
إعلانات غامضة وأسعار خيالية: ما حقيقة مزاعم الاتجار بالأطفال عبر "فينتد"؟

Article Information
- Author, دلال جبريل - بي بي سي تقصي الحقائق
- Published قبل ساعة واحدة
- مدة القراءة: 6 دقائق
أثارت صورٌ متداولة عبر شبكات التواصل الاجتماعي لإعلانات على تطبيق "فينتد" جدلاً واسعاً، حيث عُرضت دمى ومستلزمات أطفال بأسعار باهظة وصلت لآلاف اليوروهات. وأطلق مستخدمون تحذيرات من أن هذه الأرقام قد لا تكون مجرد مبالغة في التسعير، بل ربما تشكل مؤشراً على استغلال المنصة في أنشطة غير قانونية تتعلق بالاتجار بالأطفال، مما دفع للتساؤل حول مدى صحة هذه الاتهامات.
تعد منصات التجارة الإلكترونية المخصصة للسلع المستعملة بيئة خصبة لعمليات البيع والشراء العفوية، إلا أن انفتاحها على الجمهور يجعلها أحياناً ساحة لانتشار الشائعات وتفسيرات خاطئة للمحتوى المنشور.
تعد "فينتد" سوقاً رقمية شهيرة متخصصة في تداول الملابس والأغراض المستعملة، حيث توفر واجهة للمستخدمين لعرض سلعهم والتفاوض مباشرة مع المشترين. تأسست الشركة في ليتوانيا عام 2008، وتوسعت عملياتها لتشمل أسواقاً أوروبية عدة، مستقطبة ملايين المتعاملين الراغبين في إعادة تدوير مقتنياتهم.
- إدانة كيني بالاتجار بالأطفال بعد تحقيق لبي بي سي
- أوميغل: فتاة أمريكية تقاضي موقع الدردشة بعدما جمعها بمتحرش بالأطفال
استندت هذه المزاعم إلى ما وصفه ناشروها بـ"الرموز المريبة" في هذه الإعلانات، من بينها إشارات إلى العمر والطول والجنس، وكلمات مثل "صغير" و"مطيع" و"عذراء". واعتبر البعض أن المنتجات والأسعار الظاهرة تشير في الحقيقة إلى إعلانات بيع أطفال.
حققت المنشورات التي تبنت هذه المزاعم انتشاراً واسعاً، إذ سجلت ملايين المشاهدات وتخطت حدود اللغتين الفرنسية والألمانية لتصل إلى المحتوى العربي والإنجليزي.
لكن فريق بي بي سي لتقصي الحقائق تتبع الأدلة المتداولة ليتبيّن وجود فجوة كبيرة بين ما تظهره الصور والاستنتاجات التي بُنيت عليها.
هل تشير خانة "العمر" إلى طفل؟
ركزت بعض المنشورات على ظهور أعمار محددة إلى جانب ألعاب ودمى، وقيل إنّها قدمت ذلك على أنه "أحد أبرز الأدلة على أن الإعلان لا يتعلق بمنتج، بل بطفل".
لكن شركة "فينتد" أوضحت على موقعها الإلكتروني أن "العمر الظاهر في هذه الإعلانات يشير إلى الفئة العمرية التي صُممت اللعبة لها، تماماً كما هو الحال مع الملصق العمري الموجود على عبوة اللعبة، لا إلى أطفال".
الأمر نفسه ينطبق على القياسات أو الطول الظاهرين في بعض الصور؛ إذ قد تشير إلى حجم الدمية أو اللعبة أو قطعة الملابس المعروضة للبيع.
تخطى الأكثر قراءة وواصل القراءة
واشنطن تنهي ضربات "عقابية" على إيران لليلة الثامنة، وطهران ترد بهجوم "واسع" على مواقع أمريكية في الكويت
بشفاه برتقالية ونداء يشبه الزئير... اكتشاف قرد جديد في غابات الكونغو
كأس العالم: إنجلترا تحرز الميدالية البرونزية للمرة الأولى بعد فوز كبير على فرنسا 6-4
كأس العالم: الميدالية البرونزية إنجليزية للمرة الأولى، ومبابي الهداف التاريخي للمونديال
أما الكلمات التي وصفها مستخدمون بأنها "شيفرات"، فمن الصعب تقييمها من دون الاطلاع على الإعلان الأصلي بلغته الكاملة وتصنيف المنتج والسياق الذي استخدمت فيه.
ولم يتمكن فريق بي بي سي لتقصي الحقائق من التأكد من صحة هذه الإعلانات.

صور "بلا روابط أصلية"
تخطى البودكاست وواصل القراءة
شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
الحلقات
البودكاست نهاية
بدأنا بفحص الصور والمنشورات التي استخدمت لإثبات الادعاءات المتداولة.
في معظم الحالات، لم تتضمن المنشورات روابط مباشرة للإعلانات الأصلية على "فينتد"، بل صوراً معزولة أعيد تداولها بين حسابات مختلفة، أحياناً بعد أقل من دقيقة من وقت نشر الإعلان.
ظهرت بعض الصور نفسها في منشورات بلغات متعددة، لكن مع روايات مختلفة.
في كل مرة، كانت تضاف تفسيرات جديدة بشأن السعر أو الكلمات الظاهرة في الإعلان، دون تقديم معلومات عن الحساب الذي نشره أو تاريخ إنشائه أو البلد الذي ظهر فيه.
غياب الرابط الأصلي لا يعني بالضرورة أن الإعلان لم يكن موجوداً؛ فقد يكون قد حُذف من قبل البائع أو أزيل من المنصة، ما يجعل من الصعب التحقق من أن الصورة الأصلية لم تخضع لتعديلات أو أن تفاصيل الإعلان لم تُقتطع من سياقها.
بحثنا عن عدد من الإعلانات باستخدام أسماء المنتجات والكلمات الظاهرة في الصور، كما أجرينا بحثاً عكسياً عن الصور لمحاولة الوصول إلى نسخ أقدم منها أو تحديد مصدرها الأول.
لكننا لم نتمكن من العثور على عدد من الإعلانات المتداولة أو التحقق منها بصورة مستقلة.
ولم نجد في المنشورات التي فحصناها أدلة تثبت أن ناشريها تواصلوا مع البائعين أو تحققوا من هويات أصحاب الحسابات أو حصلوا على معلومات عن عملية بيع حقيقية.
لماذا كانت الأسعار مرتفعة إلى هذا الحد؟
كانت الأسعار غير المعتادة من أبرز العناصر التي غذت الشكوك.
فقد ظهرت في بعض لقطات الشاشة ألعاب ودمى مستعملة معروضة بآلاف، وأحياناً بعشرات آلاف اليوروهات. لكن السعر المرتفع، مهما بدا غير منطقي، لا يُثبت وحده وجود نشاط إجرامي.
يمكن للمستخدمين على منصات البيع تحديد السعر الذي يرغبون فيه، حتى وإن كان مبالغاً فيه. وقد يكون السعر نتيجة خطأ، أو محاولة لجذب الانتباه، أو وسيلة لمنع شراء المنتج مؤقتاً، أو جزءاً من تفاوض يجري خارج السعر المعلن.
كما أن بعض الألعاب والمقتنيات النادرة قد تُعرض بالفعل بأسعار مرتفعة، وإن كان ذلك لا ينطبق بالضرورة على جميع الصور المتداولة.
وقالت "فينتد" أيضاً إن بعض الإعلانات قد تكون أنشئت من قبل مستخدمين يحاولون إجراء "تحقيقات" بأنفسهم أو اختبار ردود فعل بائعين أو مشترين مشتبه بهم.
ماذا تقول التحقيقات الرسمية؟
بدأت السلطات في فرنسا وألمانيا فحص بعض المنشورات والإعلانات المتداولة المرتبطة بالمنصة.
لكن فتح تحقيق لا يعني أن المزاعم قد ثبتت، وإنما أن السلطات تراجع البلاغات وتحاول تحديد ما إذا كانت هناك أدلة تستدعي اتخاذ إجراءات إضافية.
وقالت الشرطة الألمانية إنه لا توجد، حتى الآن، أدلة موثوقة على وقوع حالات فعلية للاتجار بالأطفال عبر "فينتد".
أما الشركة، فقالت إنها أجرت مراجعة داخلية ولم تعثر على دليل يربط الإعلانات المزعومة بعمليات "اتجار بالأطفال".
وأضافت أنها تعتقد أن بعض المنشورات قد تندرج ضمن "محتوى مضلل" أو "مواد صُممت لإثارة الخوف" بهدف تحقيق انتشار واسع على وسائل التواصل الاجتماعي.
وأكدت "فينتد" أنها تتعاون مع السلطات المختصة في التحقيقات الجارية، وأنها تزيل الإعلانات التي تنتهك قواعدها وتتخذ إجراءات بحق الحسابات المرتبطة بها.
ولا يكفي رد الشركة وحده لنفي أي مخالفة محتملة، كما لا تكفي لقطات الشاشة لإثبات وقوعها. ويبقى تحديد ما إذا كانت جريمة قد ارتُكبت من اختصاص السلطات التي تستطيع الوصول إلى بيانات الحسابات والاتصالات والمعاملات المالية.

نمط متكرر من نظريات المؤامرة
ليست هذه المرة الأولى التي تتحول فيها إعلانات غريبة أو أسعار مرتفعة على منصات التجارة الإلكترونية إلى مزاعم عن الاتجار بالأطفال.
انتشرت ادعاءات مشابهة مرتبطة بـ"فينتد" في فرنسا عام 2023، كما تعرضت منصات أخرى، من بينها "وايفير" و"إتسي"، لروايات مماثلة في السابق.
وغالباً ما تبدأ هذه المزاعم بمعلومة حقيقية لكن غامضة: إعلان بسعر غير منطقي، أو اسم منتج غير مألوف، أو وصف يحتمل أكثر من تفسير. ثم تُربط هذه العناصر ببعضها لتكوين رواية أكبر، دون وجود أدلة تثبت العلاقة بينها.
ومع إعادة النشر، قد تتحول صيغة التشكيك، مثل "هل يمكن أن يكون هذا مريباً؟"، إلى اتهام أكثر جزماً بأن الإعلان يثبت وجود شبكة إجرامية.
وتسهم طبيعة الاتهام نفسه في سرعة انتشاره، فالمحتوى المرتبط بإيذاء الأطفال يُثير استجابة عاطفية قوية، ويشجّع المستخدمين على مشاركته للتحذير، حتى قبل التأكد من مصدره أو صحته.
لكن الانتشار الواسع لا يمثل دليلاً، كما أن تكرار الادعاء عبر مئات الحسابات لا يعني وجود مئات المصادر المختلفة؛ فقد تعود جميع المنشورات في النهاية إلى عدد محدود من لقطات الشاشة نفسها.

كيف يُثبت الاتجار بالأطفال؟
إثبات جريمة بهذا الحجم يحتاج إلى أكثر من كلمات غامضة في الإعلان أو أسعار مرتفعة.
عادة ما تبحث التحقيقات في هوية أصحاب الحسابات وعناوين الاتصال وسجلات المحادثات ووسائل الدفع والعلاقات بين البائعين والمشترين وما إذا كان هناك طفل أو ضحية يمكن تحديد هويتها.
ولا تظهر أي من هذه العناصر في لقطات الشاشة التي راجعناها.
وقال المتحدث باسم اليونيسف، جو إنغلش: "وفقاً لبيانات الأمم المتحدة، فإن أكثر من نصف الأطفال الذين يتعرضون للاتجار داخل بلدانهم يكون الجاني في معظم الحالات شخصاً تعرفه الأسرة وتثق به، وليس شخصاً غريباً ينشر إعلاناً مشفراً على الإنترنت".
ولا يعني ذلك أن المنصات الرقمية لا يمكن أن تُستغل في جرائم الاتجار بالبشر، أو أن المحتوى المريب يجب تجاهله. لكن الاشتباه ينبغي أن يكون نقطة بداية للتحقيق، لا دليلاً نهائياً على وقوع الجريمة.
وحتى الآن، لا تثبت الأدلة المتاحة أن أطفالاً عُرضوا للبيع عبر "فينتد".
ما يمكن إثباته هو انتشار صور لإعلانات غير معتادة، وتفسيرات ربطتها بالاتجار بالأطفال، من دون تقديم روابط أصلية أو معاملات أو ضحايا أو بيانات مستقلة تدعم هذا الاستنتاج.
أما المزاعم الأوسع بشأن استخدام المنصة لبيع أطفال، فلا تزال غير مثبتة.
تخطَّ مقاطع قصيرة وتابع
مقاطع قصيرة
نهاية مقاطع قصيرة
تحقيق لبي بي سي: إنستغرام يعرض إعلانات تروّج لمواد استغلال جنسي للأطفال في الهند3 يوليو/ تموز 2026
دعوى قضائية أمريكية تتهم منصة روبلوكس بـ"تسهيل استغلال الأطفال"17 أغسطس/ آب 2025
كيف ساهمت أنظمة الإعلان الرقمي في تمويل استغلال الأطفال عبر الإنترنت؟10 فبراير/ شباط 2025
تُظهر هذه الواقعة مدى سرعة انتشار المعلومات المضللة عبر الإنترنت عندما يتم ربط محتوى عادي بسياقات حساسة ومثيرة للرعب الأخلاقي. وبينما نفت الشركة التهم عبر توضيح دلالات المصطلحات التقنية، يبقى على المستخدمين توخي الحذر والاعتماد على التحقق المؤسسي بدلاً من التفسيرات الفردية المفتوحة للتأويل. وتؤكد هذه الحادثة أهمية دور فرق تقصي الحقائق في تفكيك الروايات التي تفتقر للأدلة الملموسة قبل تحولها إلى قضايا رأي عام.
المصدر الأصلي: BBC عربي


















التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.