بعد موجة من المكاسب القياسية التي أشعلتها ثورة الذكاء الاصطناعي على مدى أكثر من عام، دخل قطاع أشباه الموصلات في مرحلة تقلبات حادة، بالرغم من أن الشركات الكبرى تواصل تسجيل نتائج مالية قوية. ففي الوقت الذي أعلنت فيه شركة «إي إس إم إل» الهولندية، أكبر مورد عالمي لمعدات تصنيع أشباه الموصلات، توقعاتها للمبيعات، تعرضت أسهم شركات الرقائق في آسيا والولايات المتحدة لموجة بيع واسعة النطاق، مما أثار تساؤلات المستثمرين حول ما إذا كانت الطفرة الحالية قد بلغت ذروتها، أم أنها مجرد مرحلة تصحيح طبيعية بعد صعود استثنائي.

ويُعد قطاع أشباه الموصلات المحرك الرئيسي لثورة الذكاء الاصطناعي، مما يجعل أي تقلبات فيه مؤشراً على توجهات السوق الأوسع.

ويرى المحللون أن ما يحدث لا يعكس تراجعاً في الطلب على تقنيات الذكاء الاصطناعي، بل تحولاً في نظرة المستثمرين من التركيز على الأرباح الحالية إلى تقييم قدرة الشركات على الحفاظ على معدلات النمو نفسها في السنوات المقبلة، في ظل ارتفاع التقييمات السوقية وتغير معادلة العرض والطلب في بعض القطاعات، لا سيما رقائق الذاكرة.

شعار «تي إس إم سي» خلال مؤتمرها الإعلاني عن أرباح الربع الثاني (أ.ف.ب)
شعار «تي إس إم سي» خلال مؤتمرها الإعلاني عن أرباح الربع الثاني (أ.ف.ب)

من أزمة نقص المعروض إلى مخاوف زيادة الإنتاج

على مدى العامين الماضيين، استفادت شركات تصنيع رقائق الذاكرة من نقص حاد في المعروض، إلى جانب قفزة كبيرة في الطلب على مراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الرقائق إلى مستويات غير مسبوقة، وانعكس هذا بشكل مباشر على أرباح شركات مثل «ميكرون» و«إس كيه هاينكس» و«سامسونغ».

لكن هذه المعادلة بدأت تتغير بعد إعلان شركة «إي إس إم إل» أن معداتها الجديدة لتقنية الطباعة بالأشعة فوق البنفسجية القصوى (EUV) أصبحت ترفع كفاءة خطوط الإنتاج الحالية، بما يسمح للمصانع بإنتاج عدد أكبر من الرقائق دون الحاجة إلى إنشاء مصانع جديدة.

ورغم أن هذا التطور يعد إيجابياً للصناعة على المدى الطويل، فإنه أثار مخاوف المستثمرين من أن تؤدي زيادة الإنتاج إلى إنهاء فترة نقص المعروض التي دعمت الأسعار والأرباح خلال العامين الماضيين، وهو ما دفع أسهم شركات الذاكرة إلى التراجع فور صدور هذه المؤشرات.

شعار شركة «إي إس إم إل» معروض في جناح الشركة بمعرض الصين الدولي الثامن للاستيراد في شنغهاي (رويترز)
شعار شركة «إي إس إم إل» معروض في جناح الشركة بمعرض الصين الدولي الثامن للاستيراد في شنغهاي (رويترز)

لماذا أصبحت الأخبار الجيدة سبباً في هبوط الأسهم؟

قد يبدو الأمر متناقضاً، لكن الأسواق المالية لا تتفاعل مع نتائج اليوم بقدر ما تسعر توقعات الغد. فحين أعلنت «تي إس إم سي» التايوانية أرباحاً قياسية بزيادة بلغت 77 في المائة، كانت الأسواق قد استوعبت بالفعل هذه النتائج، إذ إن أسعار الأسهم كانت تعكس توقعات متفائلة منذ أشهر. أما عندما أشارت «إي إس إم إل» إلى تحسن كفاءة الإنتاج، بدأ المستثمرون يعيدون حساباتهم بشأن مستقبل أسعار الرقائق، وهوامش الربحية، باعتبار أن أي زيادة في المعروض قد تضغط على الأسعار مستقبلاً.

وبالتالي فإن الأخبار التي تبدو إيجابية من منظور الصناعة قد تتحول إلى عامل ضغط على الأسهم إذا اعتقد المستثمرون أنها ستقلص الأرباح في المستقبل.

جني أرباح بعد موجة صعود تاريخية

يرى كثير من المحللين أن جانباً كبيراً من التراجعات الأخيرة يعود أيضاً إلى عمليات جني الأرباح بعد الارتفاعات الاستثنائية التي سجلها القطاع منذ بداية العام. فمؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات كان قد حقق مكاسب تجاوزت 80 في المائة قبل بدء التصحيح الأخير، بينما شهدت الصناديق المتخصصة في أسهم الرقائق أكبر موجة خروج للأموال منذ سنوات، بعد فترة قصيرة من تسجيل تدفقات قياسية إليها.

وتشير هذه التحركات إلى أن المستثمرين لا يغادرون القطاع بالكامل، وإنما يعيدون توزيع محافظهم الاستثمارية بعد المكاسب الكبيرة التي تحققت خلال الأشهر الماضية.

شعار «إس كيه هاينكس» خلال طرح أسهمها في بورصة ناسداك (رويترز)
شعار «إس كيه هاينكس» خلال طرح أسهمها في بورصة ناسداك (رويترز)

هل بدأت الشكوك تحيط بطفرة الذكاء الاصطناعي؟

رغم موجة البيع لا يزال معظم بيوت الخبرة تتوقع استمرار الإنفاق الضخم على الذكاء الاصطناعي خلال السنوات المقبلة. وتشير تقديرات إلى أن الإنفاق العالمي على مراكز البيانات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي قد يقترب من 1.5 تريليون دولار بحلول عام 2027، مدعوماً باستثمارات شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل «إنفيديا»، و«مايكروسوفت»، و«أمازون»، و«ألفابت»، و«ميتا».

إلا أن المستثمرين باتوا يطرحون سؤالاً مختلفاً؛ فبدلاً من التساؤل عما إذا كان الإنفاق سيستمر، أصبح التركيز ينصب على ما إذا كانت أسعار أسهم شركات الرقائق تعكس بالفعل جميع هذه التوقعات المتفائلة، وما إذا كان النمو المستقبلي سيكون كافياً لتبرير التقييمات الحالية؟

التوترات الجيوسياسية تفاقم الضغوط

وفي الوقت نفسه زادت التطورات الجيوسياسية من حذر المستثمرين، بعدما أدى تصاعد الحرب في الشرق الأوسط إلى ارتفاع أسعار النفط مجدداً، الأمر الذي أعاد المخاوف من عودة الضغوط التضخمية، وتأخير خفض أسعار الفائدة العالمية.

وبالنسبة لأسهم التكنولوجيا التي تعتمد تقييماتها بدرجة كبيرة على توقعات الأرباح المستقبلية، فإن استمرار أسعار الفائدة المرتفعة يمثل عاملاً سلبياً إضافياً، إلى جانب المخاوف المتعلقة بسلاسل الإمداد، وتكاليف الإنتاج.

كوريا الجنوبية تتدخل لاحتواء التقلبات

وساهمت التحركات الحادة في دفع السلطات الكورية الجنوبية إلى تشديد الرقابة على صناديق المؤشرات المتداولة ذات الرافعة المالية المرتبطة بأسهم شركات الرقائق، بعدما رأت أن هذه الأدوات أصبحت تضخم حركة الأسعار صعوداً، وهبوطاً.

ورفعت السلطات الحد الأدنى للاستثمار في هذه الصناديق، وشددت متطلبات توعية المستثمرين بالمخاطر، كما أوصت شركات الوساطة بعدم إطلاق منتجات جديدة من هذا النوع في الوقت الحالي، في محاولة للحد من التقلبات التي أصبحت تؤثر في السوق الكورية بأكملها.

أعلام الصين والولايات المتحدة تظهر على لوحة دوائر مطبوعة مزودة برقائق أشباه موصلات (رويترز)
أعلام الصين والولايات المتحدة تظهر على لوحة دوائر مطبوعة مزودة برقائق أشباه موصلات (رويترز)

تصحيح أم بداية مرحلة جديدة؟

حتى الآن لا تشير المؤشرات الأساسية إلى انتهاء طفرة الذكاء الاصطناعي، أو تراجع الطلب على الرقائق المتقدمة، لكن المرحلة المقبلة تبدو مختلفة عن السنوات الماضية.

فبعد أن كانت الأسواق تكافئ جميع شركات القطاع تقريباً، أصبح المستثمرون أكثر انتقائية، مع تركيز أكبر على قدرة كل شركة على الحفاظ على هوامش الربحية، وإدارة التوازن بين العرض والطلب، وتحويل الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي إلى أرباح مستدامة.

وبذلك يبدو أن قطاع أشباه الموصلات ينتقل من مرحلة الصعود الجماعي المدفوع بالحماس إلى مرحلة أكثر نضجاً، وسيكون فيها الأداء التشغيلي والكفاءة الإنتاجية العاملين الحاسمين في تحديد الفائزين، والخاسرين.

وعلى الرغم من موجة البيع، لا يزال المحللون يتوقعون استمرار الإنفاق الضخم على الذكاء الاصطناعي، حيث تقدر الاستثمارات في مراكز البيانات والبنية التحتية بنحو 1.5 تريليون دولار بحلول 2027. وتشير التحركات الحالية إلى أن المستثمرين يعيدون توزيع محافظهم بعد المكاسب الكبيرة، مع الحفاظ على نظرة إيجابية طويلة الأجل تجاه القطاع. لكن أي زيادة في كفاءة الإنتاج قد تغير معادلة العرض والطلب وتضغط على هوامش الربحية مستقبلاً.