ملخص

يتطلب التأقلم مع الأجواء الحارقة تخفيف وتيرة الحياة اليومية، والامتناع عن ممارسة الأنشطة وقت الظهيرة، والإنصات لمتطلبات الجسد عوضاً عن مكافحة الطقس بممارسات تنهك الطاقة. كما تسهم السوائل وتعويض الأملاح والأزياء الخفيفة والتهوية المتوازنة في اتقاء الجفاف والإرهاق، بينما قد تفاقم البرودة المبالغ فيها والتقلبات الحرارية المفاجئة حالة عدم الارتياح.

تتطلب المواسم الحارة استراتيجيات معيشية متكيفة مع الطبيعة المناخية للمنطقة لضمان السلامة والصحة العامة.

الجو حار، وربما أشد حرارة مما يُحتمل. فمن داخل غرفة معيشتي التي يلفحها القيظ، يبدو الخارج كأنه سراب يشوه صورة الشارع المغبر.

وبالنسبة إلى من يعيشون مثلي في شمال أفريقيا، أو يواجهون حالياً موجات حر في مناطق أخرى، قد يتحول الصيف إلى معركة حقيقية بين العقل والجسد.

مصر، موطن الأهرامات التي تلفحها الشمس والصحارى الذهبية الشاسعة، تقدم نمط حياة فريداً لا يخلو من الإثارة. لكن في ظل هذا الحر القاسي، قد تتحكم درجات الحرارة المرتفعة في تفاصيل الحياة اليومية، وتجعل حتى أبسط المهمات تبدو أكثر صعوبة.

أقيم في مدينة دهب على ساحل شبه جزيرة سيناء، على بعد نحو ساعة من شرم الشيخ، وهذا ثاني صيف صحراوي لاهب أعيشه هناك. لقد علمتني تجاربي السابقة مع موجات الحر في الأردن والمكسيك وأستراليا، فضلاً عن رحلاتي في الهند، قواعد العيش مع درجات الحرارة الشديدة.

من البديهي أن الحرارة اللاهبة، بما تنطوي عليه من أخطار مثل ضربة الشمس والجفاف، تستلزم اتخاذ احتياطات إضافية. وفضلاً عن الحرص على البقاء في الظل، أود أن أشارككم خلاصة تجربتي في التأقلم مع الحر الشديد، بل الاستمتاع بها أيضاً.

إيقاع حياة أبطأ

العيش في بلد تسجل فيه درجات الحرارة 40 درجة مئوية يستوجب عادة استهلال النهار في وقت مبكر جداً؛ فيُفضل مثلاً أداء الرياضة لحظة شروق الشمس، في حين يُرجأ الاجتماع بالآخرين إلى ساعات متأخرة تبدأ وتنقضي عقب مغيب الشمس بفترة طويلة.

بعد أعوام قضيتها في لندن، حيث لا تهدأ وتيرة الحياة، كان من الصعب عليّ في البداية التأقلم مع تباطؤ الحركة وقت الظهيرة في البلدان الحارة. لكنني أدركت أن مواجهة الحر تتطلب تغيير إيقاع اليوم وأخذ قسط من الراحة لتجنب الإرهاق. لذلك تُعد الاستراحات المنتظمة والقيلولة جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية في هذه المجتمعات.

علاوة على ذلك، يستوجب الطقس الحار أن تتسم الحركة ذاتها بالهدوء والبطء، الأمر الذي يستدعي تركيزاً واعياً قد يبدو غير معتاد.

وحين تبنيت إيقاعاً أبطأ واهتممت أكثر بترطيب جسمي، أصبحت أقدر على التحكم في مستويات طاقتي، وشعرت بتراجع الإرهاق، بل تمكنت من الاستمتاع بالطقس فعلاً. ومع السباحة المنتظمة في البحر، أدركت أن الحياة وسط هذا الحر تقوم على التوازن والإصغاء إلى حاجات الجسد.

اقرأ المزيد

عبوات تعويض السوائل... لا غنى عنها

ومن أهم الدروس التي تعلمتها أيضاً أن مواجهة الحر الشديد لا تعني بالضرورة اللجوء إلى أقصى درجات البرودة.

فالإكثار من شرب الماء أمر بديهي، لكن ثمة رأياً يفيد بأن شرب الماء المثلج يدفع الجسم إلى بذل طاقة أكبر لتنظيم حرارته مقارنة بالسوائل التي تكون في درجة حرارة الغرفة. أما الاستحمام بماء شديد البرودة أو تشغيل المكيف على أقصى درجة، فليس بالضرورة الحل الأمثل، إذ إن تعريض الجسم لتغيرات حرارية حادة لا يمنحك دائماً الانتعاش المطلوب.

وعند التعامل مع الحر الشديد، تصبح عبوات تعويض السوائل بمثابة طوق نجاة حقيقي. فهذه الأكياس الصغيرة، المتوافرة بسهولة في الصيدليات، تحوي مزيجاً من العناصر التي تساعد الجسم في تعويض ما فقده، ويمكن إضافتها ببساطة إلى زجاجة الماء وشربها عند الشعور بأعراض الجفاف.

وجعلني هذا الحل البسيط والفاعل أكثر استعداداً للطقس الحار، ومنحني شعوراً بالاطمئنان، ولا سيما أنني أستطيع أيضاً مساعدة أصدقائي إذا احتاجوا إلى تعويض سريع للسوائل.

ولم أكتفِ بذلك، بل جربت تجميد مشروبات تعويض الأملاح في قوالب مكعبات الثلج، ووجدت أنها ربما تكون أفضل حيلة لدي لمواجهة الأيام شديدة الحرارة. أما في ما يتعلق بالوجبات الصيفية الخفيفة، فلا شيء يضاهي العنب والتوت المجمدين، فهما منعشان ولذيذان ويساعدان في ترطيب الجسم في الوقت نفسه.

الحماية بكل أنواعها

يساعد ارتداء الملابس المناسبة في الحفاظ على برودة الجسم خلال الطقس الحار، لذلك من الحكمة اختيار الملابس الصيفية بعناية. فالكتان الفاتح اللون مثالي للتعامل مع التعرق والمساعدة في تنظيم حرارة الجسم. كما أحرص عند الخروج على حمل شال أو قطعة قماش خفيفة متعددة الاستخدامات، توفر الحماية من الشمس والرمال في آن واحد.

ولا تقتصر مواجهة موجات الحر على تغيير العادات اليومية، بل تتطلب أيضاً الاستعانة بالأدوات والمستلزمات المناسبة. وإضافة إلى الضروريات الأساسية مثل قبعة الشمس والكريم الواقي والنظارات الشمسية، تُعد المراوح اليدوية حلاً بسيطاً وفاعلاً، فهي صغيرة وسهلة الحمل وتمنح إحساساً سريعاً بالانتعاش، مما يجعلها رفيقاً مثالياً خلال الصيف.

كذلك، أستخدم قبل النوم زيتاً طبيعياً مبرداً يُستعمل في طب الأيورفيدا [طب هندي تقليدي]، فأضعه على الصدغين للمساعدة في تخفيف الأرق والتعرق خلال الليالي الحارة.

ونأتي أخيراً إلى مكيفات الهواء، وهي مسألة لا يمكن لأية مقالة عن موجات الحر تجاهلها. فالمكيف يسحب عادة الرطوبة من هواء الغرفة، مما قد يهيج الجيوب الأنفية ويسبب سيلان الأنف. لذلك أحاول تقليل استخدامه قدر الإمكان، وأستعين أيضاً بجهاز لنشر الزيوت العطرية يعيد بعض الرطوبة للغرفة ويضفي عليها رائحة لطيفة.

أما من لا يملكون مكيفات في منازلهم، فأنا أتفهم معاناتهم تماماً. ومع ذلك، قد تفيد بعض الحيل البسيطة مثل تهيئة تيار هوائي جيد وتعليق منشفة باردة ورطبة عند مداخل الأبواب.

ويبقى أن الحر الشديد ليس أمراً يمكن الاستهانة به، لكن اتخاذ الاحتياطات اللازمة والإصغاء إلى حاجات الجسم يظلان أفضل سبيل لقضاء صيف أقل توتراً والاستمتاع به قدر الإمكان.

نشرت هذه المقالة للمرة الأولى في يونيو (حزيران) عام 2024، ثم نقحت وحدثت.

تكتسب هذه التوجيهات أهمية متزايدة في ظل التغيرات المناخية المتسارعة التي تشهدها المنطقة والعالم. ويمثل التعامل الواعي مع درجات الحرارة المرتفعة مهارة أساسية للحفاظ على الصحة والإنتاجية. وينصح الخبراء دائماً بمتابعة النشرات الجوية واتباع الإرشادات الوقائية للحد من المخاطر الصحية المرتبطة بالحرارة اللاهبة. وتبقى مرونة التعامل مع البيئة المحيطة مفتاحاً رئيسياً لتجاوز الفصول الحارة بأمان.