تشهد تونس هذه الأيام موجة حر قاسية تجاوزت فيها الحرارة حاجز الخمسين درجة، وسط انقطاعات كهربائية متكررة أثارت سخط المواطنين وأربكت الأعمال. ومنذ أسبوع تقريباً، تواظب الشركة التونسية للكهرباء والغاز (حكومية) على نشر «إشعار بانقطاع الكهرباء... موجة حر» يومياً، تتضمن قائمة طويلة بالمناطق المشمولة، بهدف تخفيف الضغط على الشبكة التي تعاني أصلاً من طلب مرتفع على الطاقة. وأصبح ما يُعرف بـ«القطع الدوري للكهرباء» مصطلحاً مألوفاً لدى التونسيين.

وتتفاقم أزمة الكهرباء في تونس مع استمرار موجة الحر التي تشهدها البلاد، مما يثير تساؤلات حول قدرة الشبكة على مواكبة الطلب المتزايد.

تنشر «الشركة التونسية للكهرباء والغاز» يومياً «إشعاراً بانقطاع الكهرباء» (أ.ف.ب)
تنشر «الشركة التونسية للكهرباء والغاز» يومياً «إشعاراً بانقطاع الكهرباء» (أ.ف.ب)

* استهلاك مفرط للكهرباء

وأكد المدير العام للشركة، فيصل طريفة، في تصريحات لوسائل إعلام محلية، أن الطلب على الكهرباء شهد ارتفاعاً ملحوظاً بفعل «الاستخدام المفرط لأجهزة التكييف» في المنازل. كما أفاد مسؤول حكومي آخر من الشركة للتلفزيون الرسمي أن الاستهلاك الوطني ربما سجل الثلاثاء الماضي رقماً قياسياً بلغ 6 آلاف ميغاواط، بعد ذروة أولى قدرت بـ5600 ميغاواط الأسبوع الماضي.

وأصبحت «انقطاعات الصيف»، التي تشمل «التيار الكهربائي» و«إمدادات المياه الصالحة للشرب»، مألوفة للتونسيين في السنوات الأخيرة، خصوصاً في المناطق الداخلية. لكنها كانت استثنائية هذا الصيف؛ إذ شملت غالبية المناطق من الشمال إلى الجنوب، مع انقطاعات في التيار الكهربائي تمتد على مدار ساعات طويلة، وفق شهادات نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي.

تونسيات يُرغَمن على التزود بالمياه من أماكن بعيدة بسبب انقطاعها المستمر (أ.ف.ب)
تونسيات يُرغَمن على التزود بالمياه من أماكن بعيدة بسبب انقطاعها المستمر (أ.ف.ب)

تقول عاملة بأحد متاجر الحلوى في تونس لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «يبدو أن أبواب الجحيم قد فتحت»، فيما قِطع الكعك المعروضة تكاد تذوب بفعل الحر وتعطل التبريد. وفي الشارع، كما على شبكات التواصل الاجتماعي، يستحوذ موضوع الانقطاعات على جانب كبير من النقاشات بين المواطنين. ويتجنب البعض استخدام المصاعد الكهربائية خوفاً من أن يَعلقوا فيها. والسبت، وصف الرئيس التونسي، قيس سعيد، وتيرة انقطاع التيار الكهربائي بأنها «أمر غير طبيعي»، مؤكداً ضرورة «تحمل المسؤولية وإيجاد الحلول».

* «شبكة متهالكة»

وتؤكد الشركة التونسية للكهرباء والغاز أن قطع التيار بشكل دوري يحمي البلاد من انقطاع شامل قد يغرقها في الظلام. وفي هذا السياق، ترى هالة التليلي، أستاذة الاقتصاد بجامعة تونس المنار والباحثة في الطاقة المتجددة، أن تونس «تواجه طلباً قياسياً على الكهرباء خلال الموسم السياحي، في وقت لا تستوعبه الشبكة بالشكل المطلوب». وتضيف لوكالة الصحافة الفرنسية أن «الاستهلاك ينمو بوتيرة أسرع بكثير من الإنتاج». يذكر أن تونس تعتمد بشكل كبير على الغاز الطبيعي المستورد لتوليد الكهرباء، في ظل تراجع الإنتاج المحلي، مما يثقل ميزانية الشركة.

تضرب موجة حر شديد هذه الأيام تونس لامست فيها درجات الحرارة الـ50 (أ.ف.ب)
تضرب موجة حر شديد هذه الأيام تونس لامست فيها درجات الحرارة الـ50 (أ.ف.ب)

وتشير التليلي أيضاً إلى شبكة متهالكة ونقص في أعمال الصيانة. وهذا الوضع مرشح للتفاقم في ظلّ موجات الحر، التي باتت في السنوات الماضية أشدّ وأعلى وتيرة.

وتنجم عن قطع التيار الكهربائي تبعاتٌ اقتصادية. وقد أعربت «كونفدرالية المؤسسات المواطنة التونسية» عن أسفها لغياب الدقة في الإعلان عن أوقات الانقطاع؛ «الأمر الذي لا يمكّن المؤسسات من برمجة أنشطتها واتخاذ التدابير الوقائية. ومثالاً على ذلك، ففي مصنع بالضاحية الجنوبية لتونس العاصمة، توقف العمل تقريباً ليومين» وفق شهادة أحد الموظفين، طالباً عدم الكشف عن هويته. فيما يرفع أصحاب متاجر وجزّارون أصواتهم خوفاً من تلف مخزوناتهم.

* تخزين الطاقة

ترى التليلي أنه من الضروري تسريع وتيرة تطوير مصادر الطاقة المتجددة، مبرزة أن تونس «تمتلك إمكانات قوية جداً في مجال الطاقة الشمسية، وإمكانات واعدة في مجال طاقة الرياح». لكن يبقى «التحدي الحقيقي هو التخزين»، لا سيما باستخدام البطاريات لإعادة ضخ فائض الطاقة الشمسية المُنتَجة خلال النهار إلى الشبكة ليلاً. وفي الأثناء، يعبّر كثير من التونسيين عن استيائهم من هذه الظروف المناخية الصعبة.

إحدى شاحنات نقل المياه الصالحة للشرب إلى السكان في مناطق نائية (أ.ف.ب)
إحدى شاحنات نقل المياه الصالحة للشرب إلى السكان في مناطق نائية (أ.ف.ب)

تقول مريم، وهو اسم مستعار لسيدة تسكن في حي شعبي بالضاحية الشمالية لتونس: «أنام على الأرض لأشعر ببعض البرودة»، فيما نصحت ابنها بأن ينام محتضناً زجاجة ماء مثلّج ملفوفة بمنشفة.

ويزداد القلق على السجناء؛ ذلك أن السجون في تونس غير مهيّأة لظروف الطقس هذه. والثلاثاء، دعا طبيب القلب المعروف ذاكر الأهيذب، في صفحته على «فيسبوك»، الرئيسَ قيس سعيّد إلى إصدار عفو «لأسباب مناخية» عن المساجين الذين لم يرتكبوا جرائم قتل أو اغتصاب، ومن هم مصابون بأمراض مزمنة ولا يشكل خروجهم خطراً على المجتمع.

ويؤكد مراقبون أن استمرار هذه الانقطاعات قد يدفع إلى تسريع إصلاح قطاع الطاقة وزيادة الاعتماد على مصادر متجددة. كما أن تونس تملك إمكانات كبيرة في الطاقة الشمسية، لكن التحدي يبقى في تخزينها. ومع توالي موجات الحر، تتزايد الحاجة إلى حلول سريعة ومستدامة.