نجحت وحدات الحماية المدنية الجزائرية، في الساعات الأولى من يوم الأربعاء، في السيطرة على حرائق ضخمة اندلعت بشرق البلاد، في وقت كشف فيه وزير الداخلية سعيد سعيود عن فتح تحقيق رسمي لكشف ملابسات هذه النيران التي خلفت 6 قتلى وفق الحصيلة الرسمية، وأجبرت آلاف المواطنين على مغادرة مسكنهم هرباً من زحف اللهب.

تشهد دول عدة حول المتوسط سنوياً موجات حرائق غابات قاسية تتأثر بالتغيرات المناخية والرياح الموسمية الجافة.

وتواجه الجزائر منذ بداية فصل الصيف موجة حرائق غير مسبوقة من حيث اتساع رقعتها الجغرافية، لامست «كارثة محققة» وفق تعبير رجال الإطفاء، ولا سيما في بلدية سرايدي الغابية بأعالي ولاية عنابة (600 كلم شمال شرقي العاصمة)، حيث سُجلت حالات اختناق كثيرة، وتفحمت آلاف الهكتارات من المساحات الخضراء بعدما تحولت إلى رماد.

حريق مدينة سرايدي الغابية بشرق الجزائر (الحماية المدنية)
حريق مدينة سرايدي الغابية بشرق الجزائر (الحماية المدنية)

خاضت فرق الحماية المدنية طوال ليلة الثلاثاء مواجهة ضارية مع النيران دامت حتى الساعات الأولى من الصباح، وسط ظروف قاسية تمثلت في ارتفاع درجات الحرارة وسرعة الرياح، حيث سجلت الحرارة 55 درجة مئوية في بعض مناطق بجاية (250 كلم شرق العاصمة)، مما أدى إلى تجدد البؤر المشتعلة رغم الجهود المتواصلة وأرهق أجهزة المكافحة.

وزيرا الداخلية والتضامن في مستشفى عنابة حيث تم نقل متضررين من الحرائق (وزارة الداخلية)
وزيرا الداخلية والتضامن في مستشفى عنابة حيث تم نقل متضررين من الحرائق (وزارة الداخلية)

تشتت النيران يُعقد التدخلات

زاد تشتت بؤر النيران عبر نحو ثلاثين ولاية في الشمال الوضع تعقيداً، وحال دون تمكن وحدات الحماية المدنية من تقديم الدعم والمؤازرة للمناطق الأكثر تضرراً. وأمام هذا الازدياد الحاد في حرائق الغابات، تلمح السلطات والإعلام إلى احتمال أن تكون النيران ذات خلفية إجرامية أم لا.

أجرى وزير الداخلية سعيد سعيود ووزيرة التضامن الوطني صورية مولوجي زيارة ميدانية إلى فندق «المنتزه» بعنابة للاطمئنان على النزلاء المنقولين من مستشفى إعادة التأهيل بسرايدي الواقع وسط الغابات المحترقة، إلى جانب تفقد أوضاع الأسر التي تم إجلائها احترازياً من الأحياء المهددة وتسكينها في «مركز تجمع رياضيي النخبة».

عناصر الإطفاء يصارعون حريق غابة سرايدي (الحماية المدنية)
عناصر الإطفاء يصارعون حريق غابة سرايدي (الحماية المدنية)

وخلال هذه الزيارة أعلن وزير الداخلية، في تصريحات للصحافة، عن إجراءين رئيسيين: الأول يتمثل في تعهد الدولة بتعويض المتضررين من هذه الحرائق، مشيراً إلى تعرض 150 مسكناً للأضرار بفعل ألسنة النيران في سرايدي وحدها. أما الإعلان الثاني فتضمن «مواصلة التحقيقات الأمنية لتحديد الأسباب الدقيقة لاندلاع هذه النيران».

وأوضح الوزير أنه تم تسجيل 160 حريقاً منذ نهاية العطلة الأسبوعية الماضية في ولايات الشمال، مؤكداً أن «تحريات المصالح الأمنية مستمرة لتحديد ما إذا كانت هذه الحرائق ناتجة عن عمل إجرامي، أم بفعل عوامل طبيعية».

وفي أحدث البيانات الميدانية، سجلت الحماية المدنية خلال يوم الثلاثاء وحده 170 حريقاً عبر 19 ولاية، تمكن عناصر الإطفاء من إخماد 104 حرائق منها، فيما استمرت الجهود للسيطرة على 66 بؤرة أخرى. وبصورة إجمالية، بلغ عدد حرائق الغابات المسجلة في الجزائر منذ الثامن من يوليو (تموز) الحالي 1555 حريقاً.

خلل التسيير الحكومي

أثارت الحرائق ردود فعل في الأوساط السياسية، حيث ناشد رئيس حزب «حركة البناء الوطني» (غالبية رئاسية)، عبد القادر بن قرينة، في بيان الأربعاء، الأشخاص المقيمين بالقرب من الغابات التي اشتعلت الابتعاد عنها، و«تسهيل مهام الفرق الميدانية، مع الاستجابة التامة للتوجيهات التي تصدرها المصالح والسلطات الرسمية، والتأكد من استقاء المعلومات حصرياً من مصادرها الموثوقة والمؤسساتية؛ تفويتاً لفرصة الإرباك على الجهات التي تحاول دائماً استغلال مثل هذه الظروف العصيبة لأغراضها الدنيئة. كما ندعو إلى التحلي بأعلى درجات اليقظة والوعي الوطني».

وزير الداخلية مع مسؤولي الجيش في عنابة بشرق البلاد حيث وصلت النيران إلى أطراف المدينة (وزارة الداخلية)
وزير الداخلية مع مسؤولي الجيش في عنابة بشرق البلاد حيث وصلت النيران إلى أطراف المدينة (وزارة الداخلية)

ورغم أن بن قرينة لم يحدد تلك «الجهات» بالاسم، فإن كلامه يلمح إلى حسابات على منصات التواصل الاجتماعي، سبق للسلطات أن وصفتها بـ«المجهولة»، مؤكدة أن «أصحابها ينشرون شائعات وأخباراً كاذبة عن الحرائق لإثارة التهويل».

وحول هذه الحرائق، كتب أحمد محيجيبة، الباحث الجزائري بمركز الأرصاد الجوية الكندي بحسابه بالإعلام الاجتماعي: «تتراوح مساحة الغابات في الجزائر بين 2 و4 ملايين هكتار باختلاف معايير الإحصاء المعتمدة، وهي لا تتجاوز 1 في المائة من المساحة الإجمالية للبلاد، بالنظر إلى الطبيعة الصحراوية التي تغطي أكثر من 80 في المائة من الإقليم الوطني. ورغم تركز أغلب هذه المساحات الغابية في الشريط الشمالي، وقربها المباشر من شبكات الطرق والقرى والمجمعات السكنية، وهو ما يعقد عمليات الإخماد، فإن هذا الموقع يمنح أفضلية للكشف المبكر والتدخل السريع، والتخطيط الوقائي للحد من الخسائر».

سكان قرية بشرق الجزائر وصلت النيران إلى بيوتهم (حسابات ناشطين)
سكان قرية بشرق الجزائر وصلت النيران إلى بيوتهم (حسابات ناشطين)

وأضاف محيجيبة موضحاً أن المشكلة ليست في أن الحرائق تندلع، «بل في أن الدولة لا تبدو وكأنها تبني، بعد كل أزمة، منظومة أكثر تطوراً من التي سبقتها... فبعد حرائق 2021 ماذا تغير جذرياً؟ وبعد 2022 ما الإصلاحات المؤسسية التي أُنجزت؟ وبعد حرائق 2023 هل صدرت تقارير تقييم مستقلة؟ وهل تحولت نتائجها إلى سياسات جديدة؟». وتابع مؤكداً أنه: «عندما تتكرر الكوارث بالطريقة نفسها، فهذا مؤشر على خلل في الحوكمة أكثر منه في الطبيعة».

تأتي هذه التطورات لتسلط الضوء مجدداً على التحديات الكبيرة التي تواجهها السلطات الجزائرية في تأمين المناطق الحرجية خلال فصل الصيف، خاصة مع تزايد رقعة المساحات المتضررة. وتؤكد الإجراءات الحكومية الحالية على أهمية تعزيز الجاهزية الميدانية وتطوير قدرات الرصد المبكر للحد من الخسائر البشرية والمادية. ويبقى التنسيق بين مختلف الأجهزة الأمنية والمواطنين عنصراً حاسماً في مواجهة مثل هذه الأزمات الطارئة وتفادي تداعياتها السلبية على المدى القريب.