الحكومة والمستوطنون.. شراكة إسرائيلية لتغيير وجه الضفة
في 14 يوليو الجاري وافق "الكابينت" الإسرائيلي على تخصيص 1.3 مليار شيكل لإنشاء مستوطنات جديدة بالضفة الغربية المحتلة
قيس أبو سمرة من رام الله - وكالة الأناضول
تتزايد في الآونة الأخيرة الدعوات إلى تصعيد النشاط الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة، وسط دعم حكومي غير مسبوق.
- المختص بالشأن الإسرائيلي علاء الريماوي: الحكومة الإسرائيلية تستخدم أدواتها السياسية والمالية والعسكرية لتمكين المشروع الاستيطاني
- المشرف العام لمنظمة "البيدر" للدفاع عن حقوق البدو حسن مليحات: منذ بداية 2026 وثقنا نحو 3 آلاف اعتداء على التجمعات البدوية وحدها إلى جانب تهجير 21 تجمعا
باتت هجمات المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية، وفق مراقبين، لا تفسر كاعتداءات عشوائية ترتكبها جماعات متطرفة.
فمع تنامي نفوذ الحركة الاستيطانية داخل مؤسسات صنع القرار، باتت هذه الهجمات تُطرح بوصفها جزءا من مشروع سياسي أوسع تقوده الحكومة الإسرائيلية.
وفي الأسابيع الماضية، زادت هجمات المستوطنين في عدة قرى بالضفة، مثل دير جرير وسنجل، إلى جانب إنشاء بؤر استيطانية جديدة، وتوسيع المستوطنات القائمة، وفرض مزيد من القيود على الفلسطينيين.
** مستوطنات جديدة
وفي 14 يوليو/ تموز الجاري، قالت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية إن المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون الأمنية والسياسية (الكابينت) وافق على تخصيص 1.3 مليار شيكل (نحو 370 مليون دولار) لإنشاء مستوطنات جديدة بالضفة الغربية المحتلة.
وأضافت أن القرار اتُخذ قبل نحو شهر، لكن جرى التكتم عليه "تجنبا لإحراج الأمريكيين"، ضمن مقترح قدمه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، ووزيرة شؤون الاستيطان أوريت ستروك.
وتهدف الميزانية أيضا، وفق الصحيفة، إلى إنشاء أحياء في عشرات المستوطنات التي أقرتها الحكومة الحالية، وتطوير البنية التحتية اللازمة لبدء أعمال البناء الاستيطاني.
وتتباهى الحكومة الإسرائيلية الحالية بأنها الأكثر دعما للاستيطان، فمنذ تشكيلها أواخر 2022، شهدت الضفة، بما فيها القدس الشرقية، تسارعا ملحوظا في الأنشطة الاستيطانية، رغم اعتبار الأمم المتحدة هذه الأراضي فلسطينية محتلة.
ويقيم نحو 750 ألف مستوطن في 141 مستوطنة و224 بؤرة استيطانية بالضفة، بينهم 250 ألفا في 15 مستوطنة بالقدس الشرقية.
وبالتوازي، يصعد الجيش الإسرائيلي والمستوطنون اعتداءاتهم التي تشمل القتل والاعتقال وهدم المنشآت وتخريب الممتلكات وتهجير الفلسطينيين.
ويحذر الفلسطينيون من أن هذه السياسات تمهد لإعلان ضم الضفة رسميا، بما يقوض إمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقلة وفق قرارات الأمم المتحدة.
وفي عام 1948، أُقيمت إسرائيل على أراض فلسطينية احتلتها عصابات صهيونية ارتكبت مجازر وهجرت ما لا يقل عن 750 ألف فلسطيني، قبل أن تحتل لاحقا بقية الأراضي الفلسطينية.
** وزراء مستوطنون
ويرى مختصون أن هذه التطورات ترتبط بوصول شخصيات تمثل الحركة الاستيطانية إلى مواقع القرار، وتوليها ملفات الإدارة المدنية والتخطيط والبناء بالضفة.
ومنذ عام 2023، نقلت الحكومة صلاحيات مدنية واسعة في الضفة إلى سموتريتش، وهو ما اعتبره مراقبون خطوة تعزز الإدارة الإسرائيلية المباشرة للأراضي المحتلة.
ويقول المختص بالشأن الإسرائيلي علاء الريماوي للأناضول إن "السؤال لم يعد يتعلق بمدى تأثير المستوطنين في الحكومة، بل بوجود أي فارق بين الطرفين".
ويضيف أن سموتريتش، بصفته وزيرا أيضا داخل وزارة الدفاع، يتولى ملف الاستيطان، فيما تأتي موازنات المستوطنات من وزارة المالية، وتتولى وحدات من الجيش حمايتها.
ويتابع: "الحكومة تستخدم أدواتها السياسية والمالية والعسكرية لتمكين المشروع الاستيطاني، ولذلك لا أرى فرقا بينها وبين الحركة الاستيطانية، بل يعمل الطرفان ضمن مشروع سياسي واحد".
وبحسب الريماوي، لم يعد الدعم الحكومي مقتصرا على الحماية الأمنية، بل شمل تحويل موازنات قال إنها بلغت نحو 1.5 مليار شيكل خلال الفترة الأخيرة، لشق طرق وتوسيع المستوطنات وإقامة مؤسسات تخدم المشروع الاستيطاني.
ويرى أن إسرائيل تبني هيكلا تنظيميا وماليا ومجتمعيا متكاملا يمنح المستوطنين قدرة أكبر على السيطرة على الأراضي الفلسطينية.
ويقول إن أول انعكاسات ذلك يتمثل في خلق تواصل جغرافي بين المستوطنات وتحويلها إلى كتل متماسكة، بعدما كانت معزولة نسبيا.
كما تعمل الحكومة، وفق الريماوي، على إعادة تشكيل البنية التحتية للضفة عبر شبكة طرق استيطانية، وتغيير المشهد العمراني، وفرض الرموز الإسرائيلية على المفترقات والمناطق الحيوية.
ويضيف أن إسرائيل تتجه إلى السيطرة على قمم الجبال والأودية ومصادر المياه، ضمن مشروع تسارع خلال العامين الأخيرين وبات يشمل آلاف الدونمات ومواقع استراتيجية مرتبطة بالمياه والطاقة.
ويعتبر الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير شرعي بموجب القانون الدولي، ويمثل انتهاكاً صارخاً للمادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة والعديد من قرارات مجلس الأمن الدولي، وأبرزها القرار رقم 2334 الذي نص على مطالبة إسرائيل بوقف الاستيطان في الضفة الغربية، وعدم شرعية إنشاء إسرائيل للمستوطنات في الأرض المحتلة منذ عام 1967.
** اعتداءات المستوطنين
من جانبه، يقول المشرف العام لمنظمة "البيدر" للدفاع عن حقوق البدو حسن مليحات إن الحركة الاستيطانية لم تعد تضغط على الحكومة من خارجها، بل أصبحت ممثلة داخلها.
ويضيف مليحات للأناضول أن ممثلي المستوطنين في الحكومة والكنيست يفرضون سياسات إسرائيل في الضفة، وهو ما يظهر في توسع البؤر وتصاعد الهجمات على الفلسطينيين، خاصة بالمناطق المصنفة "ج".
وبموجب "اتفاقية أوسلو 2" الموقعة عام 1995، تُقسم الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق: "أ"، و"ب"، و"ج". وتخضع مناطق "أ" للسيطرة الفلسطينية الكاملة، فيما تخضع مناطق "ب" لسيطرة مدنية فلسطينية وأمنية إسرائيلية، بينما تقع مناطق "ج" تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة وتشكل نحو 60 بالمئة من مساحة الضفة الغربية.
ويرى مليحات، أن سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير يقودان سياسات تقوم على توسيع الاستيطان وإضعاف الوجود الفلسطيني.
ووفق مليحات، وثقت منظمة "البيدر" منذ بداية 2026 نحو 3 آلاف اعتداء على التجمعات البدوية وحدها، إلى جانب تهجير 21 تجمعا والسيطرة على آلاف الدونمات وإقامة بؤر جديدة بوتيرة "غير مسبوقة".
ويقول إن هذه البؤر لا تمثل مجرد تجمعات سكنية، بل تتحول إلى نقاط انطلاق للهجمات ووسيلة للسيطرة على مزيد من الأراضي.
ويحذر من أن استمرار المسار الحالي قد يقود إلى تغييرات ديمغرافية واسعة، مضيفا: "الضفة ستكون على أعتاب نكبة جديدة تتمثل في تهجير الفلسطينيين، خاصة مع استهداف التجمعات البدوية والقرى".
وتتقاطع هذه التقديرات مع تقارير إسرائيلية ودولية تحدثت عن تسارع عمليات الضم الفعلي، عبر شرعنة البؤر وتوسيع المستوطنات والاستثمار في الطرق والبنية التحتية، بما يعزز الوجود الإسرائيلي طويل الأمد ويقوض فرص قيام دولة فلسطينية.
كما حذرت منظمتا "السلام الآن" و"كيرم نافوت" الإسرائيليتان من أن الحكومة تنفذ عملية "ضم فعلي" بوتيرة غير مسبوقة.
وتستمر الحكومة الإسرائيلية في تخصيص ميزانيات ضخمة للاستيطان، مما يعزز التوقعات باستمرار التوسع الاستيطاني في الضفة. وفي ظل غياب رادع دولي فعال، يبدو أن وتيرة الضم التدريجي للأراضي الفلسطينية ستتسارع.
المصدر الأصلي: وكالة الأناضول
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.