موريتانيا: إنقاذ 37 مهاجراً من الغرق والبحث عن 122 مفقوداً
أعلنت وزارة الصيد البحري الموريتانية، اليوم السبت، أن خفر السواحل تمكن من إنقاذ 37 مهاجراً غير نظامي، وأن مهاجراً آخر أخرجت جثته من زورق.
أجبرت الحرب آلاف المزارعين الذين يعتمدون على إنتاج الصمغ العربي على ترك أراضيهم، كما قضت على مساحات شاسعة من غابات الهشاب والطلح، في وقت تحولت فيه هذه السلعة الاستراتيجية التي يسيطر السودان على معظم إنتاجها العالمي إلى نقطة تحذير دولي من استخدام عائداتها في تمويل النزاع. وفيما يواجه العالم صعوبة في مراقبة تجارة الصمغ العربي، يعيش المنتجون السودانيون كارثة أخرى، حيث فقدوا أرزاقهم ومحاصيلهم، واضطر الكثيرون منهم إلى النزوح والاعتماد على المساعدات الإنسانية.
ويُعد الصمغ العربي سلعة استراتيجية للسودان، حيث يشكل نحو 80% من الإنتاج العالمي، ويدخل في صناعات متعددة مثل الأغذية والمشروبات والأدوية.
تمتهن عايدة حسن إنتاج الصمغ العربي في ولاية النيل الأزرق منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، وهي حرفة ورثتها عن أسرتها عبر الأجيال. بفضل الأرباح الجيدة، تمكنت العائلة من الادخار وتوسيع مزارعها ومساحاتها الخضراء، لكن الحرب قلبت حياتها رأساً على عقب، فتحولت من منتجة تعيش من كد يديها إلى نازحة تنتظر المساعدات.
وتقيم عايدة منذ عام ونصف عام في أحد مراكز إيواء النازحين بمدينة الدمازين بولاية النيل الأزرق، ضمن مئات الأسر التي تعتمد على مساعدات إغاثية محدودة تصل على فترات متقطعة. وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «هذه المهنة توارثناها أباً عن جد، ولا نعرف غيرها، كنا نوفر منها المال ونتوسع في مزارعنا، لكن حياتنا تبدلت ودخلنا دائرة الفقر».
مزارع يجمع الصمغ العربي في مدينة النهود بغرب السودان التي تُعد مركزاً رئيسياً للزراعة 18 ديسمبر 2012 (رويترز)
تروي عايدة أن رحلة نزوحها بدأت عقب اقتحام «قوات الدعم السريع» لمنطقة بوط بولاية النيل الأزرق، حيث تعرض محصول الأسرة وآلياتها الزراعية وممتلكاتها للنهب، ما اضطرها إلى السير مع أفراد عائلتها عشرة أيام متواصلة للوصول إلى مدينة الدمازين هرباً من القتال. وتضيف بصوت خافت: «ما نعيشه الآن قطعة من نار، وليس لي غير دموعي لأطفئ بها حرارتها».
ليست قصة عايدة حالة منفردة، بل تجسد واقع آلاف المنتجين الذين أجبرتهم الحرب على ترك حزام الصمغ العربي الذي يمتد عبر ثلاث عشرة ولاية سودانية. يتركز الإنتاج الأكبر في إقليمي كردفان ودارفور، إلا أن مساحات واسعة منهما باتت تحت سيطرة قوات الدعم السريع أو تحولت إلى ساحات قتال، مما أدى إلى توقف الإنتاج في مناطق كثيرة ونزوح المزارعين وفقدانهم مصادر رزقهم.
ويستخرج الصمغ العربي بصورة رئيسية من أشجار الهشاب والطلح، ويعد من أهم المواد الخام المستخدمة في الصناعات الغذائية والدوائية ومستحضرات التجميل والمشروبات الغازية، بينما يوفر السودان، بحسب مسؤولين في القطاع، نحو 80 في المائة من الإنتاج العالمي. غير أن استمرار الحرب يهدد هذه المكانة التاريخية، في وقت توسع فيه دول أخرى إنتاجها سعياً للاستفادة من اضطراب الإمدادات السودانية.
سودانيان يجمعان حصادهما من الصمغ العربي في مدينة الأبيض عاصمة شمال كردفان 9 يناير 2023 (أ.ف.ب)
يقول رئيس منتجي الصمغ العربي في شمال دارفور، أبكر أدومة أحمد، لـ«الشرق الأوسط»، إن القتال أدى إلى تراجع إنتاج الإقليم إلى أقل من ثلاثين ألف طن، بعد أن هجر معظم المنتجين مناطق الحزام بسبب تدهور الأوضاع الأمنية، واضطروا إلى النزوح أو اللجوء عقب فقدان ممتلكاتهم. وأضاف: «الحرب دمرت بورصة الصمغ العربي، وأزالت مساحات من الغابات المنتجة، كما ألحقت أضراراً كبيرة بطرق نقل المحاصيل إلى الأسواق».
ويقدر رئيس اتحاد مزارعي الصمغ العربي، عوض الله إبراهيم، عدد العاملين في هذا القطاع بنحو مليون شخص ينتظمون في خمسة آلاف جمعية إنتاجية، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن السودان ينتج نحو عشرين نوعاً من الصمغ العربي، ويعد صمغ الهشاب والطلح من أجود الأنواع عالمياً. وبحسب إبراهيم، كانت ولايات دارفور تنتج أكثر من ثلاثين ألف طن سنوياً، فيما كانت كردفان توفر نحو أربعين ألف طن، إضافة إلى كميات مقدرة من ولاية النيل الأزرق، إلا أن الحرب أدت إلى انخفاض إنتاج بعض مناطق كردفان إلى نحو عشرة آلاف طن فقط، بينما فقد آلاف المنتجين مصادر دخلهم بالكامل.
واضطر منتجون من الفولة والنهود وأولاد بخيت في ولاية غرب كردفان، والدبيبات والقوز في جنوب كردفان، إلى جانب مناطق واسعة في شرق دارفور، إلى النزوح نحو ولايات أكثر أمناً أو اللجوء إلى دول الجوار، بعد أن أصبحت مناطقهم ساحات للقتال.
الصمغ العربي يستخلص من عصارة صلبة مأخوذة من شجرتي السنط والطلح (أ.ف.ب)
وفي جنوب كردفان، يقول عضو جمعية المنتجين عثمان بقادي لـ«الشرق الأوسط» إن الإنتاج توقف في محليات كادوقلي والدلنج وهبيلا، وهي ثلاث من أصل سبع محليات منتجة للصمغ العربي، فيما نزح عدد كبير من المزارعين إلى مدينة الأبيض. وأوضح بقادي أن مدينة أبو جبيهة تحولت إلى السوق الرئيسية للصمغ العربي بعد تعطل عدد من الأسواق في شمال كردفان، واتجهت إليها شركات لشراء المحصول، إلا أن كثيراً من المزارعين امتنعوا عن العودة إلى المناطق التي استعادها الجيش بسبب انعدام مياه الشرب وبُعدها عن أماكن النزوح، كما توقف الإنتاج في المنطقة الممتدة من غرب الأبيض إلى النهود، والتي تضم أكثر من ثلاثمائة قرية كانت تشتهر بإنتاج أجود أنواع الصمغ العربي.
وفي إقليم النيل الأزرق، يقول المنتج والتاجر شاكر قنديل لـ«الشرق الأوسط» إن «قوات الدعم السريع» هاجمت مناطق لم تكن تشهد أي اشتباكات، ونهبت نحو 60 في المائة من المحصول، موضحاً أن أكثر المناطق تضرراً تقع شمال مدينة الكرمك، وجنوب محلية باو، والمنطقة العربية بمحافظة التضامن.
مزارع سوداني يقوم بحصاد الصمغ العربي في مدينة الأبيض عاصمة شمال كردفان 9 يناير 2023 (أ.ف.ب)
من جهتها، تقول مديرة إدارة الأصماغ الطبيعية بالهيئة القومية للغابات، فاطمة محمد رملي، لـ«الشرق الأوسط»، إن الحرب قضت على غابات كاملة، وإن المساحات المستغلة حالياً لا تتجاوز 40 في المائة من حزام الصمغ العربي، مشيرة إلى أن الهيئة تعتزم توزيع مليون شتلة في ولايات كردفان لإعادة استزراع المناطق المتضررة واستعادة الغطاء الغابي.
ولا يقتصر تأثير الحرب على تراجع الإنتاج، بل يمتد إلى عمليات النهب والتهريب التي تهدد مكانة السودان في الأسواق العالمية. فقد اتهم مسؤولون سودانيون «قوات الدعم السريع» بنقل كميات من الصمغ العربي إلى دول مجاورة، وهو ما أشار إليه أيضاً تقرير للأمم المتحدة، تحدث عن نقل كميات كبيرة من مناطق خاضعة لسيطرة «الدعم السريع» إلى دول عبور مجاورة، قبل إعادة تصديرها باعتبارها منتجات محلية، بما يصعب تتبع مصدرها الحقيقي. ولم يرد المتحدث باسم الحكومة التابعة لتحالف «تأسيس»، أحمد نقد، على طلب «الشرق الأوسط» للتعليق على هذه الاتهامات.
ويجمع العاملون في قطاع الصمغ العربي على أن وقف الحرب، رغم أهميته، لن يكون كافياً لإعادة القطاع إلى سابق عهده. فاستعادة الإنتاج تتطلب برنامجاً متكاملاً لإعادة الإعمار، يشمل تمويل المنتجين الذين فقدوا محاصيلهم وآلياتهم الزراعية، وتأمين مناطق الإنتاج، وتوفير المياه والخدمات الأساسية، وإعادة تأهيل الطرق والأسواق، إلى جانب حماية غابات الهشاب والطلح ومنع قطع الأشجار، حتى يتمكن السودان من الحفاظ على مكانته بوصفه أكبر منتج ومصدر للصمغ العربي في العالم.
يؤدي استمرار الحرب إلى تهديد مكانة السودان التاريخية كأكبر منتج للصمغ العربي عالمياً، في وقت تتجه دول أخرى إلى زيادة إنتاجها لتعويض نقص الإمدادات السودانية. ومن المتوقع أن تستمر معاناة المنتجين والنازحين ما لم يتم التوصل إلى حل سياسي ينهي النزاع ويعيد الأمن إلى مناطق الإنتاج الرئيسية.
المصدر الأصلي: الشرق الأوسط
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.